image
الاستاذ عبداللطيف الضويحي
باحث تنموي، خبير جوائز تنموية، و مستشار و كاتب رأي أسبوعي
الاستاذ عبداللطيف الضويحي

المدونة

سوق العمل.. ضحايا الرقمنة وأيتام التنمية

قبل سنوات ليست بعيدة، كان بوسع كثير من الدول والشركات والأفراد معرفة متطلبات سوق العمل والعمل بموجب تلك المعطيات المعرفية لسنوات دون أن يطرأ أي تغيير يُذكر على أسواق العمل رغم شح مصادر المعلومات والمنتجات المعرفية آنذاك، لأن إيقاع التغيير حينها معتدلاً وتحت السيطرة، مما جعل الخطط الدراسية والتدريبية والتمكين ممكنة وتحت السيطرة سواء للدول أو الشركات أو الأفراد ولسنوات طويلة.

لم يعد التخطيط ورسم السياسات لسوق العمل ممكنة دون أن يتخللها أزمات في الوقت الراهن. فلا رب العمل ولا طالب العمل يستطيع أن يخطط لفترة بعيدة أو متوسطة، لقد أصبح الجميع تقريباً يعمل بخطط قصيرة المدى، نتيجة لحجم ونوع تلك المتغيرات والتحولات، مع استثناءات قليلة لبعض المهن التي تمثل العمود الفقري والاستدامة لأي عمل مؤسسي.



لقد فرضت الآلة على الإنسان تحديات ومنافسات تتجاوز قدرات الإنسان المتخصص وتفوق قدرات الإنسان الطبيعي في بعض المواقع، لقد انقرضت تخصصات ومهن، وفرضت مكانها أخرى، لقد أصبح البعض من العاملين مطالباً بإتقان وإجادة عشرات المهارات وربما المهن بسبب التحديات التي فرضتها الرقمنة والذكاء الاصطناعي.

الناجحون في الزمن الماضي القريب أصبحوا ضحايا نجاحاتهم، حيث كانت النجاحات بمقياس المنافسة مع البشر وقبل أن تصبح النجاحات بمقياس المنافسة مع الآلة والرقمنة والذكاء الاصطناعي. أما اليوم فالعاطلون مذهولون ومن يعملون متشككون والطلاب مترددون والمخططون في التعليم والأبوان في الأسرة يتساءلون: أي التخصصات والمهن التي يمكنها أن تصمد في وجه الطوفان غير البشري؟ وكم بوسعها أن تصمد؟ وكم مرة يجب على الشاب والشابة أن يغيّر تخصصه ليبقى في سوق العمل؟ وما هي المهارات والقدرات التي أصبحت تفرض نفسها على جميع العاملين في سوق العمل؟ ما الذي تبقى من إستراتيجيات تمكين الموارد البشرية؟ وكم دبلوم متخصص يجب على الشاب أن يتحصّل عليه ليجد موطئ قدم في سوق العمل أو ليضمن بقاءه واستمراره في سوق العمل والحفاظ على مستوى دخل ثابت يسمح له وأسرته بالعيش الطبيعي الكريم؟



التشريعات والقوانين تصدر لملاحقة المتغيرات والتطورات التقنية والرقمنة والنظريات الإدارية الناجمة عنها، فهل تتمكن هذه التشريعات من الاحتفاظ بالعرض والطلب وفقاً لمعايير تكفل العدالة لرب العمل وطالب العمل؟ وهل تنجح التشريعات والتطبيقات العادلة لها أن تضمن حصول العاطلين من ناحية والعاملين من ناحية أخرى على الأجر العادل وعدم ابتزازهم أمام ما يقدمه الذكاء الاصطناعي من حلول قد يعجز الإنسان مهنياً وطبيعياً عن الوفاء بها مثلما توفرها الآلة؟

هذا الوضع أربك ويربك المؤسسة التعليمية ومخرجات التعليم وأربك مؤسسات التوظيف، ومؤسسات التمكين وحتى التمويل. الأمر يتطلب مراقبة ودراسة وتحليلاً مستمراً وتحديثاً للخطط والإستراتيجيات وإخضاعها باستمرار للمراجعة والتحديث المستمر.

من هنا يمكن القول بأن أسواق العمل لم تعد شأناً اقتصادياً صرفاً، فهي ذات ارتباط مباشر باقتصاد الدول وأمن المجتمعات والاستقرار بشكل عام؛ لأن عدم استقرار سوق العمل قد يتسبب بنزوح المهاجرين واللاجئين مثلها تماماً مثل الكوارث الطبيعية والحروب، بل إن الكثير من الحروب الحالية والسابقة هي في الأساس حروب على لقمة العيش، حتى لو لبست أو أُلبست عباءة سياسية أو دينية أو عسكرية.

لهذه الأسباب وغيرها، عُقد على مدى يومين من الأسبوع الماضي، المؤتمر الدولي لسوق العمل بنسخته الأولى في مدينة الرياض وحضره ما يناهز الـ40 دولة ومنظمة معنية، والذي يهدف في المقام الأول لتكوين منصة تقوم على تبادل الخبرات والمعرفة وأفضل الممارسات المبتكرة حول سوق العمل حاضراً ومستقبلاً، بجانب أهداف أخرى تتعلق بالمتغيرات والتطورات التي تشهدها سوق العمل. وتجربة المملكة جديرة بالاستفادة منها وإثرائها في ظل أبرز اثنين من المتغيرات في التي شهدها سوق العمل السعودي وهي دخول العنصر النسائي على نطاق واسع، وفتح القطاع الخاص لاستيعاب المتقدمين من المواطنين، بعد عقود من اقتصار التوظيف على القطاع العام الحكومي.

لا بد من الإشارة هنا إلى النداء الذي أصدرته اللجنة العالمية المعنية بمستقبل العمل والتابعة لمنظمة العمل الدولية مؤخراً من خلال أحدث تقاريرها والذي دعت فيه الحكومات إلى الالتزام بجملة من التدابير لمواجهة التحديات الناتجة عن «التغييرات التحولية غير المسبوقة في عالم العمل».

أخيراً، وكما أقترحت في مقالات سابقة، أرى ضرورة الأخذ بالأبعاد الاجتماعية الإنسانية، بجانب المعايير الاقتصادية -ولو مؤقتاً- لمواجهة مشكلات مثل البطالة، فالاعتماد المطلق على المعايير الاقتصادية أو الاحتكام لرافعة العرض والطلب في ظل تطورات رقمية متسارعة، سيحرم الكثيرين من العمل، ومن يحالفهم الحظ بالعمل قد يكونون مضطرين للعمل بأجور أقل مما يستحقون بسبب منافستهم للآلة والروبوت والذكاء الاصطناعي الذي لا يتقاضى أجراً، كما قد يترتب عليه ذوبان الطبقة الوسطى في المجتمعات وارتفاع شريحة الفقراء وغير ذلك من الاختلالات الاقتصادية والتنموية والاجتماعية والأمنية لا قدر الله.

مقالات ذات صلة

متى يتحرر العالم من عُقدة إسرائيل ؟

2025-05-20

التاريخ الحديث مليء بالدروس التي تقول إن إسرائيل فكرةٌ قامت في فلسطين على الإجرام والبطش والكذب والخداع، ولم تقم أبداً على الأخلاق والقانون والإنسانية والمشتركات البشرية. مثلما أن التاريخ البعيد والمتوسط يزخر بالحوادث والأحداث التي تؤكد أن هذا الكيان لا يمكنه التعايش مع شعوب ودول العالم شرقه وغربه.

في علم النفس الاجتماعي السياسي هناك فرق بين شعور الخوف وشعور الولاء والاحترام، لكن علم النفس الاجتماعي السياسي يعلمنا أن هناك حالات يتحول معها الخوف من القوي إلى حب وهمي واحترام مزيف وهو ما يعرف باسم علاقة التماهي مع المعتدي، حيث يقوم الطرف الضعيف بدافع الخوف أو البقاء أو تقليل الأذى بإظهار الولاء للطرف القوي المستبد خشية من بطشه أو رغبة بكسب مصالح، لكن ذلك لا يدوم ولا يصمد طويلاً، وهذا ما يحكم العلاقة بين الكيان الإسرائيلي وحلفائه.

لا أعتقد أن هناك من يكنُّ أي احترام للكيان الغاصب في فلسطين، ولا أظن أن هناك من يتشرّف أن يرتبط اسمه باسم الكيان، لكن الإعلام والسياسة والأدوات القذرة قادرة على مونتاج المشهد وتحويل الصورة من الخوف إلى صورة الولاء.

إن حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع غير المسبوقة على الشعب العربي الفلسطيني في غزة لم تبق للإعلام والسياسة مجالاً للحفاظ على السردية الإسرائيلية الغربية، فلأول مرة يقف الإعلام الصهيوني العالمي والإدارة الصهيونية العالمية عاجزين عن إخفاء القُبح والقذارة العميقة لحقيقة هذا الكيان وطبيعته الاستعمارية الإمبريالية، فقد رأى العالم هذا الكيان المجرم لأول مرة بصورته الإجرامية الحقيقية رغم بقايا المكياج السياسي والإعلامي الصهيوني لهذا الكيان.

هذا كيان لا يستطيع أن يتعايش مع غيره، ولا يستطيع أن يعيش مع ذاته، فلو استحوذ على غزة والضفة الغربية والقدس واحتل فلسطين كاملة، سيبقى في حروب مستمرة مع دول الجوار لأسباب أيديولوجية قائمة على عقدة التفوق التي لا يختلف فيها اليمين عن اليسار.

الغارات الخاطفة التي يقوم بها هذا الكيان في داخل فلسطين وخارجها تكشف محاولات الكيان ترميم صورة جيشه المهزوم التي يريد تغييرها لتنسجم مع عقدة تفوقه، فهو يضرب الضفة الغربية، لفشله في غزة، وهو يجوّع سكان القطاع المدنيين بالكامل ويفجّر المدارس والمشفيات ويقتل الصحافيين وعمال الإغاثة وكلها أهداف محرّمة في الحروب، ناهيك عن الحروب تحت الاحتلال، تعويضاً عن فشله بإخراج الأسرى الصهاينة.

كما أن هذا الكيان المجرم يضرب في لبنان وفي سوريا، لفشله في تحقيق أهدافه المعلنة في الداخل الفلسطيني، محاولاً رفع معنويات «الجيش الأقوى في المنطقة»، واستعادة صورة الكيان القادر على حماية ورعاية مصالح الاستعمار الغربي في المنطقة العربية وأفريقيا انطلاقا من عقدة التفوق.

هناك جهل عميق للأسف لدى الكثير من دول وشعوب العالم بفكرة هذا الكيان ومستهدفاته وعلاقاته بالاستعمار الغربي وبكل الحركات العالمية الفاشية والنازية والمهددة للبشرية والأمن والسلم الدوليين.

كما أن هناك جهلاً عميقاً بعمق علاقات ونفوذ هذا الكيان ببعض العواصم والشركات والمدارس الفكرية، وجهلاً مركباً بالفكر الصهيوني وعمله الدؤوب والمستمر على إنتاج وتصدير الأزمات في الدول العربية والأفريقية والعالم.

على العالم أن يفهم -قبل فوات الأوان- أن الخطر الذي يمثله الكيان الغاصب في فلسطين لا يهدد فلسطين والدول العربية والأفريقية والعالم الإسلامي فقط، فعقدة التفوق لدى هذا الكيان ستجعل من أوروبا هدفاً يوماً ما لطموحات هذا الكيان وانتقامه منها.

على الأوروبيين أن يقلقوا من هذا الكيان، وعليهم ألا يركنوا إلى فكرة أن هذا الكيان سيبقى ممتناً للغرب على منحه فلسطين على حساب أهلها وسكانها الأصليين، وعليهم أن ينسوا أن هذا الكيان يقيم وزناً أو احتراماً لهم، بل إنهم ليسوا في مأمنٍ منه، بسبب عقدة التفوق لديه، وبسبب رغبة الانتقام من الأوروبيين، فهذا الكيان لن يتردد أن يفعل مع الأوروبيين، الذين طردوا مكوناته عشرات المرات عبر التاريخ، أفضع مما فعله مع أهل غزة بما في ذلك السلاح النووي، فهو كيان بلا أخلاق وبلا قيم وبلا إنسانية.

على العالم أن يستيقظ ويعيد هذا الكيان الغاصب لنقطة الصفر قبل أن يستفحل معه مرض وعقدة التفوق العنصري فيثأر من الأوروبيين إرضاءً لعقدة التفوق لديه، بدعم ربما وتمويل من الضفة الأخرى من الأطلسي.

الصراع الهندي الباكستاني وتركة المستعمر البريطاني

2025-05-06

شهدت العلاقات بين الهند وباكستان مؤخراً توتراً وتصعيداً خطيراً ينذر بمواجهة عسكرية بين الجارين النوويين على خلفية أزمة كشمير؛ التي نشأت بسبب تقسيم المستعمر البريطاني شبه القارة الهندية سنة 1947، بين الهند وباكستان على أساس ديني، وبقي الخلاف بين الطرفين حول كشمير ذات الغالبية المسلمة، لكن بسبب المهراجا (غير المسلم) الذي يحكم إقليم كشمير طلب انضمام كشمير إلى الهند.

هذه ليست المرة الأولى التي تتواجه بها الهند وباكستان. فقد نشبت بين البلدين حرب 1947- 1948 حول كشمير بعد انضمام مهراجا كشمير إلى الهند خلافاً لرغبة سكان كشمير وغالبيتهم من المسلمين، كما نشبت حرب 1965 حول كشمير كذلك، ثم نشبت حرب 1971 وهذه بسبب دعم الهند لحركة استقلال بنغلاديش أو ما كان يعرف باسم باكستان الشرقية، ثم حرب 1999، وبقيت الاشتباكات الحدودية مستمرة منذ سنة 2000 إلى الآن. لكن التوتر الحالي يكتسب خطورة مختلفة هذه المرة؛ بسبب وتيرة وحدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، الذي أجج الكثير من الخلافات في العالم.

الاستعمار البريطاني تسبب بالكثير من المآسي في مناطق العالم وخلّف الكثير من بؤر التوتر والصراعات داخل الدول وبين الدول بعضها ببعض، ومن هذه الصراعات: أزمة دولة فلسطين والناجم عن وعد بلفور البريطاني ودعم بريطانيا لهجرة الصهاينة ليحتلوا فلسطين والتسبب بتشريد ملايين من الشعب الفلسطيني حتى اليوم، كما تسبب الاستعمار البريطاني بتقسيم السودان إلى شمال السودان وجنوب السودان، الصراع في نيجيريا بين الشمال والجنوب، الصراع في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية، الحدود غير المستقرة بين بورما- مينمار، أفغانستان- باكستان، الأزمة القبرصية، بالإضافة لأزمة كشمير.

إن بقاء هذه الأزمات إلى الآن وتفجر بؤر الصراع التي خلفها المستعمر قصداً من حين لآخر، يعني بوضوح أن الاستعمار الغربي لا يزال يتحكم بمستعمراته السابقة ولا يزال يعوق تنميتها وينتهك سيادتها. بل إن المستعمر الغربي هو من يتحكم بالمؤسسات الدولية ويعوقها عن ممارسة دورها في حفظ السلام والأمن الدوليين، مثلما يفعله البريطانيون والأمريكيون في مجلس الأمن الدولي من حماية لمشروعهم الاستعماري الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية، وما ينطوي عليه هذا المشروع من حرب إبادة وتطهير عرقي وتهجير ضد السكان الأصليين في فلسطين والدول العربية ومنح أرض فلسطين للمرتزقة والعصابات الصهيونية المجرمة، إلى جانب ما قامت به الدول الاستعمارية الغربية من استغلال ونهب لموارد الدول التي وقع عليها الاستعمار.

لا بد من تشكيل تحالف يضم الدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني خاصة والاستعمار الغربي عموماً، والقيام بعمل منظم ومدروس ومستمر لملاحقة بريطانيا والدول الاستعمارية الغربية قانونياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً لإرغام هذه الدول على الاعتراف بكل الجرائم التي ارتكبوها ولا يزالون يرتكبونها بحق الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار وإرغامهم على دفع كامل التعويضات لكل الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والغربي.

يجب أن تدفع بريطانيا وفرنسا وغيرهما من المستعمرين الأوروبيين ثمن جرائمهم ضد شعوب ودول العالم الثالث، ولا بد أن يرتدعوا عن الاستمرار بممارسة دورهم الاستعماري الخفي تحت غطاء شركات نهب الموارد في الدول الأفريقية.

يشهد العالم اليوم تحولاً كبيراً في موازين القوى، ويشهد تراجعاً لقوة وهيمنة ونفوذ القطب الواحد، مقابل صعود قوى جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهذا يفتح الباب على الاقتصاص من المستعمرين الغربيين وقد يكون ظرفاً مؤاتياً لتأسيس منظمة عالمية تقوم على استعادة حقوق الدول والشعوب التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والفرنسي والغربي وتسبب بنهب موارد تلك الدول وتهجير سكانها وتدمير حضاراتها وتمزيق كياناتها على يد المستعمر البريطاني والغربي عموماً. يجب أن تنصاع بريطانيا والدول الغربية لمطالب الدول المتضررة منها عبر عقود من الزمن، ويجب أن تدفع الدول المستعمرة كامل التعويضات بالقانون وبالأدوات التي تخلص إليها المنظمة العالمية المنتظرة المناط بها ملاحقة المستعمرين للاعتراف بجرائم الاستعمار في فلسطين وفي كشمير وفي أفريقيا وفي كل مكان.

التعليقات ()

اضف تعليق