image
الاستاذ عبداللطيف الضويحي
باحث تنموي، خبير جوائز تنموية، و مستشار و كاتب رأي أسبوعي
الاستاذ عبداللطيف الضويحي

المدونة

الطريق الثالث لتحرير فلسطين

تمتد جذور النضال الفلسطيني منذ بداية المواجهات بين السكان العرب الفلسطينيين الأصليين و الجماعات اليهودية الاستعمارية الصهيونية. قبل ذلك كانت فلسطين جزءاً من الإمبراطورية العثمانية إلى أن أصبحت تحت الانتداب البريطاني. و كرد فعل على الهجرات الصهيونية الواسعة و المنظّمة، مدعومة و مدفوعة بوعد بلفور البريطاني بإنشاء «وطن قومي لليهود» في فلسطين، نشأت ونمت الحركة الوطنية الفلسطينية وصولاً إلى الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1948 وما نتج عنها وترتب عليها من نزوح وتهجير لآلاف الفلسطينيين وما بات يُعرف بالنكبة، لكن النكبات تلاحقت وتتابعت حتى نشبت الحرب الإسرائيلية العربية سنة 1967، حيث سقطت الضفة الغربية وقطاع غزة تحت الاحتلال بدعم ومساندة غربية مباشرة وغير مباشرة لدولة الكيان.

لقد جرب الشعب الفلسطيني كل السبل في مقاومة الاحتلال الصهيوني، فكانت انتفاضة الحجارة 1987-1993 نقطة تحول وعلامة فارقة في تاريخ النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني، حيث جمعت الانتفاضة بين الرفض الشعبي للاحتلال ومقاومة هذا الاحتلال بما هو متاح حينها، فكانت هذه الانتفاضة سبباً بنشر ثقافة المقاومة على أوسع نطاق، حيث اتسعت رقعة حركة مقاومة الاحتلال حزبياً سياسياً وجغرافياً، وشملت كل المدن والقرى الفلسطينية. فكان من بين التيارات التي تبلورت كخيار من ضمن الخيارات تيارات تطرح السلام مع الاحتلال من ضمن الخيارات إذا كان هذا الاحتلال يقبل بالأرض مقابل السلام، وهو ما أدى مع جملة من المتغيرات الإقليمية والدولية إلى اتفاقية أوسلو سنة 1993، وبعدها المبادرة العربية التي أعلنتها قمة بيروت 2002، لكن الإسرائيليين استمروا بسياساتهم الاستيطانية التوسعية وهدم المنازل وتجريف المزارع وبناء جدار الفصل العنصري مما أدى إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية 2000-2005. رغم أن النضال السلمي الفلسطيني كان قائماً بجانب النضال المسلح من خلال الفصائل الفلسطينية المختلفة، والتي اعتقدت ربما أنها تقاوم احتلالاً واضحاً مثل باقي الاحتلالات في العالم ولم تعرف أنها تقاوم احتلالاً هو في الحقيقة يعكس تماماً المصالح الاستعمارية الغربية، حتى أن هناك من يشككون بأن الاحتلال لا علاقة له باليهودية والوطن القومي وإنما يتم توظيفه واستثماره أوروبياً وأمريكياً.



لقد أثبتت حرب الإبادة التي تشهدها غزة حالياً، أن هناك طريقاً ثالثاً يجب أن يتم تبنيه والأخذ به بجانب الطريق الأول المتمثل بالمقاومة المسلحة والطريق الثاني المتمثل بالمقاومة السلمية. هناك طريق ثالث لا بد أن تتبناه حركة النضال الفلسطيني ومعها كل المؤمنين بالحق الفلسطيني ضد الإجرام العالمي والذي شهدته غزة خلال الشهرين الماضيين. هذا الطريق الثالث يجب أن يكون قضائياً ولكن ليس أمام محاكم النظام العالمي الحالي وإنما ضد النظام العالمي الحالي ومؤسساته وضد محكمته الدولية وضد جنائيته وضد القادة الصهاينة وضد الإدارات الأمريكية وضد بريطانيا المتسبب الرئيس بمعاناة الشعب الفلسطيني، هذا الطريق الثالث لا بد أن يستثمر الحركة الاحتجاجية الواسعة للمحامين والقضاة والحقوقيين في العالم والبناء عليها ومأسستها من خلال الإعلان عبر منصة رقمية عن تأسيس محكمة فلسطينية عالمية خاصة تستمد شرعيتها من الشعوب المنتفضة في كل أنحاء العالم، ويقوم عليها قضاة ومحامون وحقوقيون من مختلف دول العالم، وتستهدف الطعن بالمؤسسات القضائية العالمية من خلال محاكمتها في جلسات تخصص لهذا الغرض، كما تهدف إلى الطعن بالديموقراطية الأمريكية والغربية التي تستخدم حق النقض الفيتو ضد وقف إطلاق النار في غزة، كما تستهدف الطعن ببريطانيا المتسببة بكل ما يعانيه الشعب الفلسطيني من مآسٍ، والضغط على بريطانيا لدفع تعويضات للشعب الفلسطيني الحالي وتعويض كل الفلسطينيين من هم فوق الأرض ومن هم تحت الأرض ومن سيولدون من الشعب الفلسطيني تماماً مثلما تدفع ألمانيا لليهود حالياً.

ليس مهماً تنفيذ قرارات هذه المحكمة، المهم أنها تتخذ قرارات عادلة بحق الشعب الفلسطيني وقضايا العالم العادلة دون حاجة إلى محاكم قائمة على الانحياز لدول غربية ومصالح غربية وإسرائيلية. فهذه محكمة مع الوقت ستكون نواة لتأكيد وترسيخ العدل وثقافة القانون والحقوق ضد دول الطغيان الأطلسي.

مهم في هذه المحكمة تفعيلها والانتظام بعقد جلساتها بشكل مستمر ضد كل القوى الحالية أو السابقة التي تسببت وتتسبب بالمأساة الفلسطينية، بدءاً بمحاكمة بريطانيا وبلفور وعصاباتهم ومروراً بمحاكمة الإدارات الأمريكية واستباحتها للدم الفلسطيني وغير الفلسطيني من خلال ديموقراطيتها المزعومة، ومروراً بمحاكمة محكمة الجنايات والمحكمة الدولية لصمتها عما يجري في فلسطين، ومحاكمة كل المؤسسات العالمية التي يديرها الاستعمار الغربي لصالحه ويوجهها حسب بوصلته الاستعمارية حتى يومنا هذا والذي يتخفى خلف هذا النظام العالمي القائم على القوة وليس على الحق.



هذه المحكمة مهمة للغاية لأنها تؤسس لنظام عالمي جديد يقوم على التعددية، لكنها محكمة تكشف الروابط والصِلات والدوافع الخفية بين الحروب الإسرائيلية الأمريكية الأوروبية ضد الدول العربية والإسلامية ودوافع الحروب الصليبية. فالمشهد اليوم يفيض بالتصريحات العنصرية والكراهية وربما إرهاصات حروب صليبية يراد تكرارها والثأر لها من دماء الشعب الفلسطيني وفي أرض فلسطين وفي غيرها. الطريق الثالث هو محاكمة المتسببين بالظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني والكثير من شعوب العالم، وهذا لن يتحقق في ظل نظام عالمي مستبد قائم على عشرات الإبادات الجماعية.

مقالات ذات صلة

متى يتحرر العالم من عُقدة إسرائيل ؟

2025-05-20

التاريخ الحديث مليء بالدروس التي تقول إن إسرائيل فكرةٌ قامت في فلسطين على الإجرام والبطش والكذب والخداع، ولم تقم أبداً على الأخلاق والقانون والإنسانية والمشتركات البشرية. مثلما أن التاريخ البعيد والمتوسط يزخر بالحوادث والأحداث التي تؤكد أن هذا الكيان لا يمكنه التعايش مع شعوب ودول العالم شرقه وغربه.

في علم النفس الاجتماعي السياسي هناك فرق بين شعور الخوف وشعور الولاء والاحترام، لكن علم النفس الاجتماعي السياسي يعلمنا أن هناك حالات يتحول معها الخوف من القوي إلى حب وهمي واحترام مزيف وهو ما يعرف باسم علاقة التماهي مع المعتدي، حيث يقوم الطرف الضعيف بدافع الخوف أو البقاء أو تقليل الأذى بإظهار الولاء للطرف القوي المستبد خشية من بطشه أو رغبة بكسب مصالح، لكن ذلك لا يدوم ولا يصمد طويلاً، وهذا ما يحكم العلاقة بين الكيان الإسرائيلي وحلفائه.

لا أعتقد أن هناك من يكنُّ أي احترام للكيان الغاصب في فلسطين، ولا أظن أن هناك من يتشرّف أن يرتبط اسمه باسم الكيان، لكن الإعلام والسياسة والأدوات القذرة قادرة على مونتاج المشهد وتحويل الصورة من الخوف إلى صورة الولاء.

إن حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع غير المسبوقة على الشعب العربي الفلسطيني في غزة لم تبق للإعلام والسياسة مجالاً للحفاظ على السردية الإسرائيلية الغربية، فلأول مرة يقف الإعلام الصهيوني العالمي والإدارة الصهيونية العالمية عاجزين عن إخفاء القُبح والقذارة العميقة لحقيقة هذا الكيان وطبيعته الاستعمارية الإمبريالية، فقد رأى العالم هذا الكيان المجرم لأول مرة بصورته الإجرامية الحقيقية رغم بقايا المكياج السياسي والإعلامي الصهيوني لهذا الكيان.

هذا كيان لا يستطيع أن يتعايش مع غيره، ولا يستطيع أن يعيش مع ذاته، فلو استحوذ على غزة والضفة الغربية والقدس واحتل فلسطين كاملة، سيبقى في حروب مستمرة مع دول الجوار لأسباب أيديولوجية قائمة على عقدة التفوق التي لا يختلف فيها اليمين عن اليسار.

الغارات الخاطفة التي يقوم بها هذا الكيان في داخل فلسطين وخارجها تكشف محاولات الكيان ترميم صورة جيشه المهزوم التي يريد تغييرها لتنسجم مع عقدة تفوقه، فهو يضرب الضفة الغربية، لفشله في غزة، وهو يجوّع سكان القطاع المدنيين بالكامل ويفجّر المدارس والمشفيات ويقتل الصحافيين وعمال الإغاثة وكلها أهداف محرّمة في الحروب، ناهيك عن الحروب تحت الاحتلال، تعويضاً عن فشله بإخراج الأسرى الصهاينة.

كما أن هذا الكيان المجرم يضرب في لبنان وفي سوريا، لفشله في تحقيق أهدافه المعلنة في الداخل الفلسطيني، محاولاً رفع معنويات «الجيش الأقوى في المنطقة»، واستعادة صورة الكيان القادر على حماية ورعاية مصالح الاستعمار الغربي في المنطقة العربية وأفريقيا انطلاقا من عقدة التفوق.

هناك جهل عميق للأسف لدى الكثير من دول وشعوب العالم بفكرة هذا الكيان ومستهدفاته وعلاقاته بالاستعمار الغربي وبكل الحركات العالمية الفاشية والنازية والمهددة للبشرية والأمن والسلم الدوليين.

كما أن هناك جهلاً عميقاً بعمق علاقات ونفوذ هذا الكيان ببعض العواصم والشركات والمدارس الفكرية، وجهلاً مركباً بالفكر الصهيوني وعمله الدؤوب والمستمر على إنتاج وتصدير الأزمات في الدول العربية والأفريقية والعالم.

على العالم أن يفهم -قبل فوات الأوان- أن الخطر الذي يمثله الكيان الغاصب في فلسطين لا يهدد فلسطين والدول العربية والأفريقية والعالم الإسلامي فقط، فعقدة التفوق لدى هذا الكيان ستجعل من أوروبا هدفاً يوماً ما لطموحات هذا الكيان وانتقامه منها.

على الأوروبيين أن يقلقوا من هذا الكيان، وعليهم ألا يركنوا إلى فكرة أن هذا الكيان سيبقى ممتناً للغرب على منحه فلسطين على حساب أهلها وسكانها الأصليين، وعليهم أن ينسوا أن هذا الكيان يقيم وزناً أو احتراماً لهم، بل إنهم ليسوا في مأمنٍ منه، بسبب عقدة التفوق لديه، وبسبب رغبة الانتقام من الأوروبيين، فهذا الكيان لن يتردد أن يفعل مع الأوروبيين، الذين طردوا مكوناته عشرات المرات عبر التاريخ، أفضع مما فعله مع أهل غزة بما في ذلك السلاح النووي، فهو كيان بلا أخلاق وبلا قيم وبلا إنسانية.

على العالم أن يستيقظ ويعيد هذا الكيان الغاصب لنقطة الصفر قبل أن يستفحل معه مرض وعقدة التفوق العنصري فيثأر من الأوروبيين إرضاءً لعقدة التفوق لديه، بدعم ربما وتمويل من الضفة الأخرى من الأطلسي.

الصراع الهندي الباكستاني وتركة المستعمر البريطاني

2025-05-06

شهدت العلاقات بين الهند وباكستان مؤخراً توتراً وتصعيداً خطيراً ينذر بمواجهة عسكرية بين الجارين النوويين على خلفية أزمة كشمير؛ التي نشأت بسبب تقسيم المستعمر البريطاني شبه القارة الهندية سنة 1947، بين الهند وباكستان على أساس ديني، وبقي الخلاف بين الطرفين حول كشمير ذات الغالبية المسلمة، لكن بسبب المهراجا (غير المسلم) الذي يحكم إقليم كشمير طلب انضمام كشمير إلى الهند.

هذه ليست المرة الأولى التي تتواجه بها الهند وباكستان. فقد نشبت بين البلدين حرب 1947- 1948 حول كشمير بعد انضمام مهراجا كشمير إلى الهند خلافاً لرغبة سكان كشمير وغالبيتهم من المسلمين، كما نشبت حرب 1965 حول كشمير كذلك، ثم نشبت حرب 1971 وهذه بسبب دعم الهند لحركة استقلال بنغلاديش أو ما كان يعرف باسم باكستان الشرقية، ثم حرب 1999، وبقيت الاشتباكات الحدودية مستمرة منذ سنة 2000 إلى الآن. لكن التوتر الحالي يكتسب خطورة مختلفة هذه المرة؛ بسبب وتيرة وحدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، الذي أجج الكثير من الخلافات في العالم.

الاستعمار البريطاني تسبب بالكثير من المآسي في مناطق العالم وخلّف الكثير من بؤر التوتر والصراعات داخل الدول وبين الدول بعضها ببعض، ومن هذه الصراعات: أزمة دولة فلسطين والناجم عن وعد بلفور البريطاني ودعم بريطانيا لهجرة الصهاينة ليحتلوا فلسطين والتسبب بتشريد ملايين من الشعب الفلسطيني حتى اليوم، كما تسبب الاستعمار البريطاني بتقسيم السودان إلى شمال السودان وجنوب السودان، الصراع في نيجيريا بين الشمال والجنوب، الصراع في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية، الحدود غير المستقرة بين بورما- مينمار، أفغانستان- باكستان، الأزمة القبرصية، بالإضافة لأزمة كشمير.

إن بقاء هذه الأزمات إلى الآن وتفجر بؤر الصراع التي خلفها المستعمر قصداً من حين لآخر، يعني بوضوح أن الاستعمار الغربي لا يزال يتحكم بمستعمراته السابقة ولا يزال يعوق تنميتها وينتهك سيادتها. بل إن المستعمر الغربي هو من يتحكم بالمؤسسات الدولية ويعوقها عن ممارسة دورها في حفظ السلام والأمن الدوليين، مثلما يفعله البريطانيون والأمريكيون في مجلس الأمن الدولي من حماية لمشروعهم الاستعماري الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية، وما ينطوي عليه هذا المشروع من حرب إبادة وتطهير عرقي وتهجير ضد السكان الأصليين في فلسطين والدول العربية ومنح أرض فلسطين للمرتزقة والعصابات الصهيونية المجرمة، إلى جانب ما قامت به الدول الاستعمارية الغربية من استغلال ونهب لموارد الدول التي وقع عليها الاستعمار.

لا بد من تشكيل تحالف يضم الدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني خاصة والاستعمار الغربي عموماً، والقيام بعمل منظم ومدروس ومستمر لملاحقة بريطانيا والدول الاستعمارية الغربية قانونياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً لإرغام هذه الدول على الاعتراف بكل الجرائم التي ارتكبوها ولا يزالون يرتكبونها بحق الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار وإرغامهم على دفع كامل التعويضات لكل الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والغربي.

يجب أن تدفع بريطانيا وفرنسا وغيرهما من المستعمرين الأوروبيين ثمن جرائمهم ضد شعوب ودول العالم الثالث، ولا بد أن يرتدعوا عن الاستمرار بممارسة دورهم الاستعماري الخفي تحت غطاء شركات نهب الموارد في الدول الأفريقية.

يشهد العالم اليوم تحولاً كبيراً في موازين القوى، ويشهد تراجعاً لقوة وهيمنة ونفوذ القطب الواحد، مقابل صعود قوى جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهذا يفتح الباب على الاقتصاص من المستعمرين الغربيين وقد يكون ظرفاً مؤاتياً لتأسيس منظمة عالمية تقوم على استعادة حقوق الدول والشعوب التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والفرنسي والغربي وتسبب بنهب موارد تلك الدول وتهجير سكانها وتدمير حضاراتها وتمزيق كياناتها على يد المستعمر البريطاني والغربي عموماً. يجب أن تنصاع بريطانيا والدول الغربية لمطالب الدول المتضررة منها عبر عقود من الزمن، ويجب أن تدفع الدول المستعمرة كامل التعويضات بالقانون وبالأدوات التي تخلص إليها المنظمة العالمية المنتظرة المناط بها ملاحقة المستعمرين للاعتراف بجرائم الاستعمار في فلسطين وفي كشمير وفي أفريقيا وفي كل مكان.

التعليقات ()

اضف تعليق