image
محافظة الدرعية
منطقة الرياض حي طريف البجيري بوابة الدرعية
محافظة الدرعية

المدونة

الدرعية.. مدينة تقبع تحت المحيط

منذ أزمنة بعيدة، قبل نشوء مدينة الرياض، نشأت مدينة الدرعية كتجمع من البيوت الطينية والقلاع والحصون الحجرية، محيطة بمجاري الوديان التي كانت تغذيها، وأصبحت عاصمة للدولة السعودية الأولى. وقد شهدت جدرانها الكثير من البدايات، وكانت ساحاتها تعج يوما بالنقاشات الفكرية والمواعظ والغزوات والمعارك، والاحتفاليات التي صبغت الحياة السعودية المبكرة. وما زالت جدرانها تحتفظ بأصداء قصتها كمكان تنمِّقُه ذكرى بعيدة ونسيج في حاضر الزمان. 

واليوم، تلقي المصابيح بوهجها الدافئ على الساحات الواسعة الممتدة، وتحتضن الواجهات المجددة بعناية تحتها الكثير من المقاهي، والمطاعم والمتاجر، حيث يصور مهرجان الشتاء والمتاحف الثقافية إيقاع الحياة اليومية النابضة التي شهدتها تلك المنطقة منذ قرون.

كانت هذه هي أول زيارة لي للدرعية التاريخية، وقد تم ذلك بينما كنت أستعد للقيام بعمل حقلي ميداني لأطروحتي للدكتوراه في علم الأحافير من جامعة ستانفورد بالولايات المتحدة الأمريكية. وبينما كنت أمشي بين تلك المباني العتيقة، سحبت جوَّالي لأخذ صور، فنقلتني إيقاعات الطبول المنبعثة من السماعات إلى ماضٍ بعيد. لم أكن أصور حينها المعمار، وإنما الأرضيات الصخرية والتي أخذتني إلى نقطة أعمق في الزمن.

واختلطت قرون الحضارة المحفورة في جدران الطين مع آثار التاريخ لملايين السنين في الأحجار التي تسفل الجدران مشكلة أساساتها. كانت أفرع أحافير المرجان من العصر الجوراوي وتموجات علامات النيم على سطح طبقات القيعان البحرية التي أضناها الزمن، تضفي تغضنا وتجعدات رقيقة على سطح النقوش الصخرية تحت قدميّ. وكأنما كانت سرا مخفيا لكنه ملقى على مرأى العيون. إنها تحوي رسائل مكتوبة بفصاحة لأولئك الذين تعلموا قراءة لغتها الخاصة والتي تقول: إن هذه الصحراء تستضيف أطلال بحار قديمة.

ويمكن مشاهدة آثار من هذا الماضي في أجزاء كثيرة من المملكة، وبينما كنت أقود سيارتي من الدرعية شمالا متجهة لعنيزة في القصيم، حيث موقع ميدان بحثي العلمي في رحلة دامت لأربع ساعات، شعرت وكأن تلك الشواهد الحيوية القابعة بين الصخور الشاهدة على آثار ذلك المحيط العظيم الذي غطى المنطقة منذ ملايين السنين، شعرت وكأنها تناديني من خلال الصخور. كانت طبقات أحجار الجير الممتدة على مسافات شاسعة حبلى بالكثير من الأحافير المخروطية لكائنات منقرضة شبيهة بالحبار. وتخفي جدران الخوانق والجبال نفسها أحافير لأصداف المحاريات وبقايا المعد قدميات، وتحت الطبقات الرقيقة من الرمل بين الكثبان، كانت هذه الأحافير تنتظر لتروي قصتها.

كعالمة أحافير، فإنني أقرأ طبقات الصخور في المكتشفات الصخرية كما أقرأ كتابا ألفته الحياة البحرية. ولقد بينت تلك الصخور أثناء قراءتي المتأنية لها، أنه بعد نقطة ما تتوقف هذه القصة فجأة في طبقة صخرية، كعلامة تعجب صادمة في نهاية فصل. هنا تصبح الأحافير أقل عددا وأقل تنوعا، مشيرة إلى نقطة في الزمن العميق حيث شهدت تلك البحار كارثة مغرقة في القدم، مؤدية لهلاك المجتمعات البحرية، وماسحة كل أوجه الحياة تقريبا. ومثل جزيرة أطلنطس الخرافية، تعرضت هذه الأحافير التي تعيش في مجتمعات مائية بحرية لكارثة أهلكت جزءا كبيرا منها. إلا أن قصة هذه الأحافير لا تشبه قصة أطلنطس، فهي أبعد ما تكون عن الخرافة، فقد وجد العلماء على مدى عقود، وفي أجزاء متفرقة من الأرض، دلائل على هذه الأحداث الكارثية التي انتابت الأرض في تاريخها الطويل. هذه الحادثة تعرف ب (حادثة الانقراض الكبير في نهاية العصر البرمي) أو (الموت العظيم) وسببها هو انفجار براكين عنيفة خنقت الجو وسمَّمت المحيطات بالكبريت وثاني أكسيد الكربون منذ حوالي 252 مليون سنة مضت، وانتهت بقتل ما يقدر ب 79 % من الأجناس البحرية عبر الكرة الأرضية. وكشواهد أمينة على الماضي، فإن الأحافير التي نجدها اليوم، والتي تمثل ما بعد تلك الحادثة، ترسم صورة شديدة الوضوح لما عرفناه بعده، لم يَنجُ إلا كائنات قليلة من الحالة المميتة التي عمت المحيطات.

في السنوات الأولى القليلة للدراسة للدكتوراه في قسم علوم الأرض والكواكب بجامعة ستانفورد، درست بتركيز (الموت العظيم)، وجاءت جائحة كوفيد 19 كورونا لتحد من العمل الحقلي الميداني وتلزمني بقضاء ليالي عدة محاطة بوهج شاشتي بينما كنت أعمل على إكمال أشكال الوفرة الأحفورية، والمواقع الجغرافية، ومنحنيات الانقراض، والتي ساعدتني على اختبار أسئلة حول كيف صار حال المجتمعات البحرية في المحيطات حول الأرض مباشرة بعد ذلك الانقراض الهائل؟ وكلما ازدادت تلك الحادثة في المضي قدما، ازداد شوقي لفرصة الوصول إلى الأحافير التي سجلت انهيار البحار القديمة.

لقد مُنحت فرصة القيام بعمل حقلي في مكان مألوف لي. كانت خطة أستاذي المرشد للدكتوراه، دكتور (جونوثان باين)، معدة مسبقا قبل أن أبدأ مسيرة الدكتوراه، وعندما تواصلتُ معه لقبولي للعمل في مختبره كطالبة دكتوراه، كانلمحاسن الصدف أنه قد عاد توا من رحلة استكشافية جيولوجية لوسط المملكة العربية السعودية. وهناك قام هو وفريق من المتعاونين من الولايات المتحدة والمملكة وإيطاليا بقياس المقاطع الصخرية، وجمعوا عينات الأحافير للأبحاث المستقبلية. وعندما أخبرني عن تلك الرحلة الاستكشافية، لاح في مخيلتي ما يمكن أن تبوح به تلك الصخور من قصص وأخبار في ذلك الماضي السحيق، وقد شدني ذلك كثيرا للمشروع. وحال ما بدأتُ في ستانفورد، بحثت عمن يمكن أن يشاركني رحلتي وهويتي من أساتذة وأقران. وللأسف لم أجد أي عالمة أحافير سعودية غيري. وشعرتُ بعبء كوني الأولى في ذلك المجال، وكذلك جذبني شيء أكبر: فرصة استقراء المحيطات القديمة والحياة المفقودة، وعن طريق ذلك يمكنني ترك آثار أقدامي على الرمال. وعندما رُفِع حذر السفر بسبب الجائحة في 2021، حجزت للسفر للعمل الحقلي في المملكة، وبدأت الاستعداد للرحلة بقراءة كل ما أستطيع عن الصخور الحاوية للأحافير التي أنوي جمعها. واعتدلتُ في كرسيي وأنا أقرأ السطور تلو السطور وأعيدها عدة مرات بابتهاج لمعرفة داهمتني. والدي، الدكتور أحمد عبدالله الأسود، قد أجرى دراسات مكثفة على نفس الصخور التي أنوي دراستها، منذ عقود قليلة عندما كان أستاذا للجيولوجيا في جامعة الملك سعود بالرياض.

كانت تجمعني بوالدي روابط كثيرة مثل الطبيعة والفلسفة والموسيقى والأدب والفن عموما. لكن بالرغم من توازي مسارينا الأكاديميين، إلا أننا لم نناقش يوما الجيولوجيا أو الأحافير أو حتى الانقراض الحيوي الكبير، فقد كان هناك دائما الكثير مما يمكن قوله غير ذلك. وفي الواقع فإن اختيار مهنتي كجيولوجية جاء مصادفة تقريبا. كان يحلو لوالدي أن ينكِّت قائلا إنه لو أنه شجعني على التخصص في ذلك المجال، لهربت في الاتجاه المعاكس. وكل ذلك تغير ذات أمسية عندما تحدثتُ معه عبر الفيديو عن تقرير له ودراسته لنفس الصخور التي سأزورها، رفع أصبعه نحوي حينها والإثارة تضيء وجهه قائلا: لدي ما تحتاجينه تماما. وأسرع إلى مكتبته الشخصية وأخرج منها الكتب والخرائط، بعضها من تأليفه وأخرى من عمل جيولوجيين آخرين عملوا على توثيق السجل الصخري للمملكة. وبالرغم من أن تلك الخرائط كانت متآكلة وممزقة عند أطرافها، إلا أنها تحدت اختبار الزمن كسجل ممتاز للتاريخ الجيولوجي، بألوان نابضة، تختلف درجاتها بحسب نوع الصخر، والعمر الجيولوجي. ولم أستطع الصبر لقراءتها.

وحالما وصلت للمملكة لبدء عملي الميداني، درست الخرائط لمعرفة أفضل منكشفات صخرية لدراستي. شعرتُ أنني جاهزة للبدء تقريبا، وكان التحدي الأخير الباقي هو إيجاد مساعد لمرافقتي للحقل الجيولوجي. ولم يكن ذلك سهلا ولا متوفرا. وهنا تطوع والدي للقيام بذلك. وما تبع ذلك كان شهرين عزيزين على قلبي من العمل البحثي الميداني في الجبال جنبا إلى جنب مع والدي، خالقةً ذكريات سأحملها معي طيلة حياتي.

في كل صباح في عنيزة، عندما تبدأ أشعة الشمس الذهبية في إضاءة أفق الفلل المجاورة، يبدأ والدي وأنا في التجهز للخروج للصحراء، مع ما نحتاجه من حقيبة الظهر، والخرائط، وأشرطة القياس، والمطارق وعدسة يدوية، ووحدة تحديد مواقع، وصناديق العينات، وغير ذلك. وضحك والدي عندما أريته المواقع الصخرية محط قصدنا، فقد كان أكثرها لا يبعد عن مزرعة جدي عبدالله البراهيم السليم -رحمه الله- في عنيزة سوى كيل أو كيلين، حيث ينكشف الجزء العلوي من متكون خف من العصر البرمي، المسمى بعضو خرطم، وصخوره هي المستهدفة بدراستي. لقد اقترنت تلك المناظر الطبيعية على الدوام مع ذكريات الطفولة، من الركض المتواصل خلال صفوف متراصة من أشجار نخيل التمر، ورحلات السيارة الطويلة حيث تلقي أضواء الشارع بوهجها البرتقالي بشكل متقطع على النوافذ، وتختلط تلك مع ذكريات إطعام أغنام جَدِّي. وها أناذا اليوم أعود لأجري بحثا علميا لأكتشف قصة الحياة لمئات الملايين من سنين مضت.

قمنا بدراسة الصخور المنكشفة على جوانب الجبال، وقياس مقاطعها وتسجيل الملاحظات لكل نموذج مشوق تبديه تلك الصخور. وبعد الظهر، كنا نقوم بقلع أصداف المحاريات والمعد قدميات من الصخور باستخدام المطرقة والإزميل. وبعد شهرين من العمل الحقلي، كان لدي أكثر من مئة عينة، وبعد عدة زيارات لجدي الذي تجاوز المئة عام من عمره محتفظا باتقاد عقله وحدَّة ذاكرته، وأقاربي الآخرين في عنيزة، كنت مقتنعة وراضية بالعودة لكاليفورنيا لبدء تحضير عينات الأحافير للدراسة والبحث. وبمساعدة من الدكتور خالد الرمضان بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، المتعاون رسميا مع جامعة ستانفورد، قمنا بشحن العينات إلى جامعة ستانفورد، حيث قمت لاحقا بقطعها وتصويرها، ودراستها، وتعريفها بالجنس والنوع.

هذه الأحافير تساعدنا على فهم أي من هذه المحاريات نجت بعد تلك الحادثة الأكثر عنفا وجائحية في تاريخ الأرض، وما مدى مقارنة هذه المجتمعات البحرية السعودية مع نظيراتها حول العالم. وبنقل نفسي نحو ذلك الماضي السحيق بهذه الطريقة، كان بإمكاني امتلاك فهم لكيفية تحمل هذه الكائنات ذلك التغير المتطرف في المناخ وأحداث الانقراض في غابر السنين. وهكذا كان اهتمامي البحثي للدكتوراه منصبا على كيفية تعافي الأنظمة البيئية البحرية بعد تعرضها لأكبر انقراض جماعي في تاريخ الأرض وعلى مستوى عالمي. ومن خلال بيانات الأحافير للكائنات التي عاشت تلك الظروف قرب نهاية العصر البرمي ومقارنتها مع درجات الحرارة القديمة السائدة، وكذلك تغيرات مستويات الأكسجين في البحار، ودور هذه المتغيرات في كيفية تحمل هذه الكائنات فسيولوجيا للضغوط البيئية القاسية. والهدف هو الوصول إلى فهم يشرح لماذا حدث التعافي بالطريقة الذي حدث بها. وهذا النمط من البحث العلمي الواسع النطاق، يعتمد على بيانات كثيرة ومتجددة من العمل الحقلي الميداني. ولقد قدمت المواد الحقلية التي تم جمعها في المملكة العربية السعودية مساهمة هامة من منطقة وفترة زمنية لم يتم دراستهما سابقا لهذه المجموعات الحيوانية.

لم تكن حقائب العينات هي كل ما حملته معي من المملكة إلى كاليفورنيا، بل صاحبني شعور بأن تلك الأرض علمتني كيف أقرأ الزمن ذاته. في الصحراء أصبحتُ العالمة التي كنت آمل في تحققها يوما عندما بدأت مسار مهنتي في علم الأحافير. لقد كنتُ محظوظة فعلا بأن الدكتور (بين) قبلني للدكتوراه، ولهمني كل الشكر لصبره وتوجيهه الدؤوب لي كطالبة تلقت كل تدريبها السابق في مجال الجيولوجيا، إلى العالم الدقيق لعلم الأحافير وأحداث الانقراض القديمة، كما أنني ممتنة للغاية لحكومتنا التي كان لها الفضل الأول في تعليمي العالي من البكالوريوس إلى الدكتوراه، وفي كل مراحل تعليمي الأخرى.

ولقد لعب والداي أيضا دورا محوريا في هذا الحلم، فوالدتي، الدكتورة فاطمة عبدالله البراهيم السُّليم، أستاذة علم الاجتماع بجامعة الملك سعود سابقا، قد نحتت لها مكانا في التاريخ، كأول دبلوماسية سعودية في كندا بموافقة ملكية، وكانت درجتها للدكتوراه في علم الاجتماع وازعا عندي لتذكيرنا بمدى ما يمكن للفضول المعرفي أن يأخذنا إليه. لقد غذت هي ووالدي تلك الروح فيَّ، والمثال الذي كانا عليه كلاهما، هو الذي شكل العالمة التي سكنتني.

لقد ذكرتني الرحلة العلمية للمملكة أن العلم ليس عن السعي نحو المعرفة فحسب، وإنما عن الحكايات التي يمكن للمكان أن يرويها. تلك القصص تتشابك وتتداخل مع حياتنا ومع حيوات الأجيال السابقة. المشي فوق تلك المرتفعات الصخرية التي قد درسها والدي مرة، والتي قد مشى عليها جدي، أشعرني باستمرارية الفضول المعرفي والاستكشاف العابر للأجيال. الأحافير نفسها، بكونها شاهدة صامتة على المحيطات القديمة، تصبح جسرا بين الماضي والحاضر. ولقد وصلتُ إلى فهم مفاده أن كل موقع صخري يحمل طبقات من المعنى الخبيء تبوح به لمن أُلهموا بإرادة التبصر.

  • باحثة في علم الأحافير من جامعة ستانفورد بالولايات المتحدة الأميركية.

    المصدر: صحيفة الرياض (26 ديسمبر 2025م)

مقالات ذات صلة

0 0

في يوم التراث العالمي : الدرعية.. أيقونة التراث والثقافة السعودية

2026-04-23 اخبار

تتميز السعودية بتراثها الغني وثقافتها المتعددة وفي يوم التراث العالمي تبرز الدرعية بمعالمها التي تمتزج فيها الأصالة بالحداثة، ويفوح منها عبق الماضي وسحر التاريخ.

وتُعدُّ الدرعيَّة، الواقعةُ شمالَ غربي الرياض، العاصمةَ الثقافيَّةَ والعلميَّةَ والتاريخيَّةَ الأولى للحكمِ في السعوديَّة، كما أنها رمزٌ لتاريخِ البلادِ الغني، ومرجعٌ لتراثها الوطني، ومتحفٌ مفتوحٌ لإرثها التاريخي سواء بمنازلها الطينيَّة، أو دروبها التي تنطقُ بالأصالة، أو القصصِ والملاحمِ التي شهدتها، وجعلت منها أيقونةً من أيقوناتِ البطولة.

هناك في الدرعيَّة تشاهدُ نمطَ الحياةِ والعاداتِ التي كانت سائدةً قبل 300 عامٍ، وهذا ما حوَّلها إلى واحدةٍ من أكبر الوجهاتِ التاريخيَّةِ والثقافيَّةِ والسياحيَّةِ على مستوى العالم، خاصَّةً بعد أن نجحت مشروعاتها العصريَّةُ العملاقةُ في الحفاظِ على القيمةِ التاريخيَّةِ للمكان، وإعادةِ تشكيلِ المنطقة بما يُسهم في الارتقاءِ بجودةِ الحياة، وتحقيقِ مستهدفاتِ رؤية 2030.

الدرعية قصة مجد

شكَّلت الدرعيَّةُ على مدى تاريخها صرحاً، يروي قِصَّةَ مجدٍ عريقٍ منذ عامِ 1727، وهو ما منحها أهميَّةً تاريخيَّةً بارزةً، وجعلها مركزاً لانطلاقِ الدولةِ السعوديَّة، والعاصمةَ السياسيَّةَ والثقافيَّةَ والاجتماعيَّة، ومهدَ حضارةٍ إنسانيَّةٍ عظيمةٍ، قادها الأئمَّةُ الأوائلُ من الأسرةِ السعوديَّةِ المالكة.
ويعودُ تاريخُ تأسيسِ الدرعيَّةِ إلى منتصفِ القرنِ الـ 15 الميلادي، وتحديداً على ضفافِ وادي حنيفة، لتُشكِّل تالياً حاضرةً مأهولةً بالسكَّانِ في قلبِ نجد. وقد بقيت المدينةُ عاصمةً للدولةِ السعوديَّةِ إلى أن اختار الإمام تركي بن عبدالله، رحمه الله، الرياض مقراً للحكمِ عامَ 1824.
وتحوَّلت الدرعيَّةُ إلى أيقونةٍ وطنيَّةٍ برمزيَّتها وتأثيرها في مسارِ الأحداث، والمحطَّاتِ المفصليَّةِ في تاريخِ الدولةِ السعوديَّة، وصولاً إلى توحيدِ المملكةِ العربيَّةِ السعوديَّة على يدِ المغفور له جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود.
ومع احتفاظِ الدرعية بهويَّتها الوطنيَّةِ، وموروثها الثقافي، وإبرازه بما يليقُ بمكانتها التاريخيَّةِ والحضاريَّة، اختارتها المنظَّمةُ العربيَّةُ للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو( Arab League Educational, Cultural and Scientific Organization عامَ 2021 عاصمةً للثقافةِ العربيَّةِ في 2030، لتُصبح ثاني مدينةٍ سعوديَّةٍ يتمُّ اختيارها بعد الرياض عامَ 2000.

معالم الدرعية التاريخية

يكتسبُ مشروعُ الدرعيَّةِ ثقله العالمي من احتضانه عديداً من المعالمِ الثقافيَّةِ والتراثيَّةِ المهمَّةِ في السعوديَّة، في مقدِّمتها حي الطريف التاريخي.

حي الطريف

ويُعدُّ حي الطريف أكبر أحياءِ الدرعيَّة، ومن بين الوجهاتِ التراثيَّةِ الأهمِّ في السعوديَّة، بل وعلى مستوى العالمِ أيضاً، إذ أُدرِج عامَ 2010 على لائحةِ «يونسكو» لمواقعِ التراثِ العالمي بوصفه واحداً من أكبر الأحياءِ المبنيَّةِ من الطوبِ الطيني في العالم.

ويضمُّ حي الطريف 13 قصراً، وخمسةَ مساجد، إضافةً إلى مطلِّ البجيري، ووادي صفار، ومناطقِ المشاة والحدائق، والمتنزَّهات، ومناطقِ التسوُّق والترفيه.
ويستقبلُ الطريف الزوَّارَ على مدارِ العام مع عروضٍ وفعاليَّاتٍ يوميَّةٍ، تضمنُ لهم الاستمتاعَ، والتعرُّفَ على الإرثِ الثقافي والتاريخي لهذا الصرح.
وكما يضمُّ الحي أكثر من 20 مطعماً من نخبةِ المطاعمِ الحاصلة على تقييمِ «ميشلان»، وهي تُقدِّم أطباقاً سعوديَّةً تراثيَّةً بطريقةٍ عصريَّةٍ، ما يجعلُ من «البجيري» الوجهةَ الأولى والأرقى لأفضلِ النكهاتِ العالميَّة وسطَ أجواءٍ مميَّزةٍ ومحاطةٍ بالعمارةِ التقليديَّة.
ومع وجودِ أكثر من 400 متجرٍ لنخبةٍ من أرقى العلاماتِ التجاريَّةِ العالميَّةِ والمحليَّة، تُوفِّر الدرعيَّةُ كذلك تجربةَ تسوُّقٍ استثنائيَّةً للحِرفِ اليدويَّةِ التقليديَّة، والتصاميمِ السعوديَّة، والمنتجاتِ الفاخرةِ المستوحاةِ من التراث.

قصر سلوى
قصر سلوى ، هو أكبر قصورِ الدرعيَّة، وقد كان مقراً للأسرةِ المالكة، ويُعدُّ مَعْلَماً تاريخياً وثقافياً بارزاً، يُوثِّق حقبةً زمنيةً مهمَّةً في تاريخِ السعوديَّة.

وتُوجد في القصرِ دواوينُ الحكم، ومقرَّاتُ الحراسة، ومستودعاتُ التموين، ومقرَّاتُ الاجتماعات، ومساحاتُ استقبالِ الضيوف. واليوم تشهدُ عمارته الخلَّابة، وأسواره الشاهقة على الثقلِ السياسي وعمقِ تاريخ السعوديَّة.

متاحف الدرعية

تتميَّزُ الدرعيَّةُ بتعدُّدِ متاحفها الموجودةِ داخل قصورٍ تاريخيَّةٍ في الحي، تُوثِّق تاريخَ الدولةِ السعوديَّةِ الأولى، منها:

 

  • متحف الدرعية

يُوجد داخلَ قصرِ سلوى، الواقعِ في حي الطريف، ويُقدِّم لمحةً تاريخيَّةً شاملةً عن الدولةِ السعوديَّةِ بمراحلها الثلاث، ويستخدمُ مزيجاً من العروضِ التفاعليَّة لتعريفِ الزوَّار بأهمِّ الأحداثِ التي جرت داخل القصر، مع لوحاتٍ، ومجسَّماتٍ، وقطعٍ أثريَّةٍ.

 المتحف العسكري

يحتوي على مجموعةٍ كبيرةٍ من الأسلحةِ التي استُخدمت في حروبِ الدولةِ السعوديَّة، منها الدروعُ، والذخائرُ، والمتفجِّرات.

 متحف التجارة والمال

تُعرَض فيه العملاتُ التي كانت متداولةً في عهدِ الدولةِ السعوديَّةِ الأولى، كما يُسلِّط الضوءَ على الازدهارِ الاقتصادي للبلاد مع عرضِ عيِّناتٍ من البضائعِ التي كانت تُباع وتُشترى في ذلك الوقت، وخرائطِ طرقِ القوافلِ التجاريَّة.

 متحف الحياة الاجتماعية

تندرجُ تحت هذا المتحفِ المنازلُ المبنيَّةُ من الطينِ ومرافقها، وأمثلةٌ من الملابسِ التقليديَّةِ التي كان يرتديها أهالي الدرعيَّةِ قديماً لتوثيقِ ثقافةِ الأسر النجديَّة، والتقاليدِ القديمةِ التي عرفها السكَّانُ المحليون في حياتهم اليوميَّة، إلى جانبِ مجموعةٍ كبيرةٍ من المقتنياتِ التي تعكسُ عراقةَ المنطقة، وفترةَ تأسيسِ الدولةِ السعوديَّةِ الأولى.

 المتحف السعودي للفن المعاصر

يحتضن حي "جاكس " المتحف السعودي للفن المعاصر وهو أول متحف فن معاصر في السعودية كما تقام مجموعة من البرامج والفعاليات الرائدة لعل أبرزها الحدث الفني العالمي "بينالي الدرعية".

متنزّه الدرعية

لمحبِّي الطبيعة، يمكن القيامُ بجولةٍ في متنزَّه الدرعيَّةِ ذي الطابعِ التراثي، والاستمتاعُ بالمشي بين أشجارِ النخيل الباسقة، وبرؤيةِ المناظرِ الطبيعيَّةِ الخلَّابة، هذا إلى جانبِ التعرُّف على معالمِ ومرافقِ المكان مثل البحيراتِ، والشلَّالاتِ، والممرَّاتِ والساحات التي يقصدها هواةُ ركوبِ الدرَّاجاتِ الهوائيَّة.

الدرعية أيقونة المستقبل
مشروعُ الدرعيَّة، هو خامسُ المشروعاتِ الكبرى المملوكة لصندوقِ الاستثمارات العامة، ويُعدُّ من المشروعاتِ الفريدةِ من نوعها على مستوى العالم لما يزخرُ به من مقوِّماتٍ، ومعالمَ ثقافيَّةٍ، وتراثيَّةٍ، وسياحيَّةٍ، إذ تمتلك الدرعيَّةُ تاريخاً عريقاً، أهَّلها لتتحوَّل إلى العاصمةِ الثقافيَّةِ للمملكةِ العربيَّةِ السعوديَّة

وسيستحدثُ المشروعُ فرصاً للشراكةِ مع القطاعِ الخاص، ومبادراتٍ من شأنها رفعُ مستوى جودةِ الحياةِ في المنطقة، وجعلها وجهةً عالميَّةً مميَّزةً، فهو يضمُّ أفضل العلاماتِ التجاريَّةِ العالميَّةِ الفاخرة، وأرقى المرافقِ الفارهة حيث سيُوفِّر عند اكتماله 42 فندقاً لتقديمِ أعلى معاييرِ الضيافةِ العالميَّةِ بطابعٍ محلي أصيلٍ، وتسعةَ متاحف، ووحداتٍ سكنيَّةً، وأكثر من 178 ألف فرصةِ عملٍ، وسيضمُّ نحو 100 ألف نسمةٍ، كما يطمحُ لاستضافةِ 50 مليون زائرٍ سنوياً، والإسهام بـ 18.6 مليار دولارٍ في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
وستُسهم الدرعيَّةُ بمفردها، بشكلٍ كبيرٍ، في دعمِ الاستراتيجيَّةِ الوطنيَّةِ للسياحة التي تهدفُ إلى استضافةِ 100 مليون سائحٍ من أنحاءِ العالم في السعوديَّةِ مع حلولِ عام 2030.

 

  • ميدان الدرعية العملاق

يقع ميدانُ الدرعيَّةِ في قلب المخطَّطِ الرئيسِ للمدينةِ النابضِ بالحياة على مساحة 186 ألف م². وتتواصلُ الأعمالُ في المشروعِ ليكون وجهةً متكاملةً للتسوُّقِ والضيافة حيث من المتوقَّع أن يضمَّ 450 علامةً تجاريَّةً فاخرةً، إلى جانبِ عديدٍ من المطاعمِ والمقاهي.

 حي القرين

يستهدفُ مشروعُ تطويرِ حي القرين في الدرعيَّةِ إنشاءَ مدرسةٍ للموسيقى العربية، ودارٍ للسينما، ومجموعةٍ من المتاحفِ والأكاديميَّاتِ المتخصِّصةِ في تعليمِ فنون الكتابة، والعمارةِ النجديَّة، والبناءِ الطيني، وأساليبِ الطهي، والفنونِ الأدائيَّة.
كذلك سيضمُّ الحي فندقَين عالميين، و19 مبنى متعدِّدَ الاستخدامات، تشتملُ على خياراتٍ متنوِّعةٍ من المساكنِ، والمكاتبِ الراقية، إلى جانبِ مجموعةٍ واسعةٍ من محلَّاتِ البيعِ بالتجزئة، والمطاعم.

  • شمال الدرعية

تهدفُ أعمالُ التطويرِ شمالَ الدرعيَّة إلى تحويلها لمركزٍ عالمي للتعلُّم، يستقبلُ العلماءَ، والطلَّابَ، وأصحابَ الرؤى. كذلك سيضمُّ الموقعُ مؤسَّسةَ الملك سلمان، ومتحفاً، وجامعةً، ومكتبةً، وساحةً عامَّةً نابضةً بالحياة، وفنادقَ بتصاميمَ عمرانيَّةٍ، تجمعُ ما بين العمارةِ النجديَّةِ الأصيلة واللمساتِ العصريَّةِ الفاخرة.

0 0

«بوابة الدرعية» تستقبل «عيد الدرعية.. دارك ودفاك»

2026-03-23 اخبار

نظمت هيئة تطوير بوابة الدرعية، فعاليات عيد الفطر المبارك في الدرعية، تحت شعار «عيد الدرعية.. دارك ودفاك»، مقدمةً برنامجًا احتفاليًّا بمشاركة الأهالي والزوار، يمتد خلال الفترة من 20 إلى 22 مارس، عبر تجارب متنوعة تستهدف جميع فئات المجتمع.

وبدأت الفعاليات منذ ساعات الصباح الأولى من أول أيام العيد، حيث توافد الأهالي على المساجد لأداء صلاة العيد، تلتها أجواء احتفالية عكست قيم الكرم والتلاحم الاجتماعي، وأتاحت للزوار مشاركة فرحة العيد في أجواء مميزة.

واحتضن حي الطريف التاريخي باقة من الفعاليات الثقافية، تتقدمها العرضة السعودية التي تُقام أمام قصر سلوى لمدة ثلاثة أيام احتفاءً بالعيد. كما تتضمن الفعاليات برنامج «هل القصور»، الذي يقام ضمن برامج موسم الدرعية ويستمر في استقبال الزوار خلال أيام عيد الفطر، حيث يسلّط الضوء على قصور الأئمة والأمراء، من خلال سرد قصصي وتجارب تفاعلية تحاكي أجواء الحياة الإدارية والاجتماعية والثقافية والإنسانية في الدرعية زمن الدولة السعودية الأولى.

وتشمل الفعاليات أيضًا جلسات «سمرة» التي يقدمها راوٍ مختص في مجال التاريخ، يروي خلالها محطات من التاريخ الوطني، إلى جانب فعالية «مسيان»، وهي جلسات أكاديمية تناقش موضوعات مرتبطة بالدرعية بمشاركة مختصين وأكاديميين، فضلًا عن عروض الخيل العربي التي تتيح للزوار التعرّف على أبرز وأشهر سلالاته التي توارثتها الأجيال عبر التاريخ، ودوره الثقافي والتاريخي بوصفه أحد رموز الأصالة والقوة.

كما تتواصل أجواء الاحتفاء بعيد الفطر عبر برنامج «ليالي الدرعية»، الذي يمتد حتى رابع أيام العيد، مقدمًا للزوار تجربة راقية تأخذهم إلى عمق الجذور والأصالة بين المعالم التاريخية التي يحتضنها حي المريّح التاريخي.

وللأطفال حضور بارز في الفعاليات عبر «روايات الدرعية للأطفال»، التي تقدم أنشطة تفاعلية تشمل قراءة القصص، وورش تعلم كتابة الرواية، في تجربة تعليمية ممتعة. وفي حي الظويهرة تنبض الأجواء بفعالية «الحوامة»، حيث تتزيَّن المنطقة بمظاهر العيد، وتُقام أنشطة متنوعة تشمل أركان الحلويات والألعاب الشعبية، وعروض العرضة والأهازيج الشعبية، مع توزيع الهدايا والحلوى على الزوار، في مشهد يعكس روح الفرح والتكافل، إضافة إلى برنامج «الحويّط» المقدّم من موسم الدرعية والذي يمتد حتى رابع أيام العيد، ويقدم من خلاله التراث النجدي بأساليب تفاعلية تجمع بين التعلم واللعب.

أما حي سمحان، فيقدم مجموعة من الورش الإبداعية والتجارب التفاعلية، من بينها ورشة «فن فاخر» للرسم على الإكسسوارات، و«النقش على الجلد»، و«تصميم وابتكار» لتخصيص المنتجات اليومية بلمسات فنية، إلى جانب ورش «عود تولة» لابتكار خلطات العود، و«صناعة الصابون» و«صناعة السبحة» التي تجمع بين الحرفية التقليدية واللمسات العصرية.

وتأتي هذه الفعاليات ضمن جهود هيئة تطوير بوابة الدرعية لتعزيز مكانة الدرعية كوجهة ثقافية واجتماعية رائدة، وإثراء تجربة الزوار خلال المناسبات المختلفة.

المصدر: صحيفة الرياض (23 مارس 2026م)

التعليقات (0)

اضف تعليق