image
د. أحمد عبدالرحمن العرفج
دكتوراه فى الإعلام د. أحمد عبدالرحمن العرفج كاتب
د. أحمد عبدالرحمن العرفج

المدونة

استدعاء طارئ ليوميات قارئ (11)

ذكرت في مقال سابق أن إحدىالقارئات سألتني عن علاقتي بالقراءة.. فقررت أن تكون الإجابة كبسولات مختصرة على شكل يوميات.. تأتي على حلقات.. بمعنى آخر سأجيب عن القراءة وأحوالها كلما تيسرت الإجابة.. وأجوبة القراءة -كما تعلمون- مثل أسئلتها لا تنتهي.. لذلك هاكم "الحلقة الحادية عشرة" من اليوميات:الأحد: ليس العقّاد وحده من حاول توثيق استمتاعه بالقراءة في كتابه "ساعات بين الكتب"، بل هناك مئات المقولات التي تصف أدقّ اللحظات الحميمية "القرائية"، وأعداء القراءة طبعاً لن يفهموا علاقة القارئ بالكتاب، لذا لن يفهموا أن الزمن في عالم القراءة لا يُحسَب بالأعوام والأشهر والأيام، بل بالساعات والدقائق والثواني، في محاولة يائسة من القارئ إلى وضع كلّ لحظة في كبسولة وتخزينها إلى الأبد، وإذا أردنا انتقاء عيِّنة عشوائية نجد الفيلسوف جيمس شيرلي يعبّر ببساطة عما يشعر به أي قارئ حقيقي، حين يقول: "لم أعرف في حياتي ساعات أحلى وأسعد من تلك التي قضيتها بين كتبي" .الاثنين: يقول الفيلسوف مونتيسيكو: "حب المطالعة هو استبدال ساعات السأم بساعات من المتعة".. هذه المقولة تذكِّرني بملصق جميل موجود تقريباً في كلِّ صالات انتظار المراجعين في مباني الإدارات الحكومية والقطاع الخاص يقول: "دقائق الانتظار املأها بالاستغفار"، وعندي فقط ملاحظتان بسيطتان حول هذا الملصق الجميل، الأولى أنها مريضة نحوياً بسبب جشع السجع، والأصح –كما أعتقد- أن نقول "املأ دقائق الانتظار بالمزيد من الاستغفار"، أو "بترديد الاستغفار".. أما الملاحظة البسيطة الثانية على هذا الملصق الجميل جداً فهي أنني أتمنى أن أجد بين كلّ 99 ملصقاً استغفارياً ملصقاً واحداً يحمل عبارة "املأ ساعات المَلل بتدبُّر ثقافات المِلل".الثلاثاء: القراءة بحدّ ذاتها رئة ثالثة، وكلّما ابتعدت الشعوب عن القراءة ضاقت أنفاسها، وتحشرجت صدورها، ومن يستعرض تاريخ الأمم التي وأدت الكتب سيكتشف أن النتائج تقريباً كانت عبارة عن تقهقر ذاتي وانتحار سياسي واجتماعي لم يبذل فيه الأعداء 1%، وبعد عقود رأينا تلك الأمم تنهض من بين الرُّكام لتنفض الغبار عن الكتب، ولسان حالهم يقول: "لنا في كل كتاب حياة".. وبالمناسبة فقط اختصر أحد الفلاسفة تلك المرحلة القاسية بقوله: "كلّما أغلقنا كتاباً كلّما سددنا النوافذ وتركنا عالماً بكامله يموت اختناقاً".الأربعاء: ينصح الراسخون في عالم القراءة من أراد من القرّاء الجدد أن يفهم الواقع المحيط به أن يعود إلى التاريخ لتفهم الحاضر، وتكون مهيّأً للمستقبل، ومن حسن حظّك -حسب تعبير أحد القرّائين الجادّين- أن"كل ما فاتك في الحياة ستجده في المكتبة".الخميس: يقول أحد الفلاسفة: "كل كتاب تقرأه تتعلم منه درساً" .. وأزيد على قوله بأنه لا يوجد كتاب غير مفيد، حتى لو كانت الفائدة الوحيدة فيه أن تردِّد بعد الانتهاء منه عبارة "هذا الكتاب غير مفيد".الجمعة: يقول أحد الفلاسفة: "اقرأ كثيراً قبل أن تكتب".. وأنا أقول: لا تصدِّقه، بل اقرأ كثيراً حتى لو لم تكتب حرفاً واحداً، لأن القراءة غاية وليست وسيلة.السبت: يوصيك أحد الفلاسفة قائلاً: "أهم شيء ألاّ تتوقف عن التساؤل وأنت تقرأ" .. بمعنى آخر: إن أفضل إجابة هي تلك الإجابة التي تولِّد المزيد من الأسئلة، وهذا بالضبط ما تفعله الكتب حين تحيل القارئ إلى بعضها البعض، من باب الأمانة مع القارئ، الذي من حقه أن يطّلع على حجة صاحب الرأي المخالف.‫

مقالات ذات صلة

0 0

قانون المزرعة وقانون الكروتة..!

2024-08-18

البشرُ -كلُّ البشرِ- يؤدُّونَ أعمالهم على طريقتَين لا ثالثَ لهما، وهاتان الطريقتان تُسمَّى إحداهما #قانون_المزرعة، والأُخْرَى تُسمَّى #قانون_الكروتة، وحتَّى تتضحَ الأمورُ، دعونا نتحدَّث عن كلِّ قانونٍ ومواصفاتِهِ وتطبيقِهِ على أرضِ الواقعِ. أولًا- قانونُ المزرعة: يقولُ هذا القانون: إنَّ الإنسانَ إذَا أرادَ أنْ يقومَ بعملٍ، فعليه أولًا الإخلاصُ، وعليه ثانيًا الإعدادُ الجيِّدُ، وعليه ثالثًا تجهيزُ وتحضيرُ المواد اللازمةِ لأداءِ المهمَّة، وعليه رابعًا الدقَّةُ والمهارةُ في التنفيذِ، وعليه أخيرًا أنْ يُعطي كلَّ مرحلةٍ من هذه المراحل حقَّها ومستحقَّها من التَّركيزِ والإتقانِ والصَّبرِ. وإذا أردنا أنْ نطبِّقَ هذا القانونَ على أرضِ الواقعِ فإليكم قانون الأستاذة نظميَّة في الطبخِ، فهي تقرِّرُ في الصباحِ ماذا سوف تطبخ، وهنا تأتي الإرادةُ، ثُمَّ تقومُ بتحضيرِ المواد وترتيبها وتقطيعها بكلِّ إخلاصٍ، ثُمَّ تضعها على نارٍ هادئةٍ حتَّى تستوي وفقَ قوانين الطبيعة، إنَّها بذلك تشبهُ قانونَ المزرعةِ، الذي يقوم به المزارعُ من حيث حرث الأرضِ، ورمي البذورِ، وسقي الأرضِ والصَّبر عليه حتَّى يثمرَ ويُخرِجَ الخيراتِ من غرس النباتِ. ثانيًا- قانونُ الكروتة: وهذا القانونُ يقولُ إنَّ الإنسانَ يقومُ بعمله على نظامِ السرعةِ والاستعجالِ، ورمي الأشياء فوقَ بعضها من دونِ إخلاصٍ، أو تحضيرٍ، أو صبرٍ، أو دقَّةٍ في التَّنفيذ، وإذا أردنا مثالًا على هذا، فهي تشبهُ حالتي في المرحلة الابتدائيَّة، فقدْ كنتُ أنسى الموادَّ، وأهملُ المذاكرةَ، وإذا جاءت ليلةُ الامتحان أعلنُ حالةَ الاستنفارِ والطوارئِ، وأسهرُ طوالَ الليلِ، من أجل المذاكرةِ التي لا تثمرُ في هذا الوقتِ الضائعِ، والنتيجةُ النهائيَّةُ هي أنَّني مكثتُ في الابتدائيَّة أكثرَ من عشرِ سنواتٍ، في حين أنَّ أقراني قد أنجزُوها في ستِ سنواتٍ، وبعضهم في خمسٍ. ولو أردنا تطبيقَ الكروتةِ على الطبخِ، سأذكرُ لكم طريقةَ طبخِ صديقي «أبي نوح»، فهو يستيقظُ في الظهيرةِ، ويذهب إلى الثلاجةِ، ويلمُّ ما بها من أغراضٍ، ويرمي بها في قدرِ الضغطِ، وبعد نصفِ ساعةٍ يفتحُ ويأكلُ الطَّعامَ الذي كَرْوَتَهُ، ليكونَ عالي الوجبةِ سافلهَا، وسافلهَا عاليهَا. حسنًا ماذا بقي: بقيَ القولُ: يا قومُ أخبرُوني هل أنتمْ على وفاقٍ مع قانونِ المزرعةِ أم قانونِ الكروتةِ؟!

0 1

حين ضاع تاريخ ميلادي..!

2024-08-18

كالعادةِ، يتفاعلُ المحبُّونَ والأصدقاءُ والمتابعُونَ والمتابعاتُ، مع ما يُطرحُ في برنامج #ياهلا_بالعرفج، الذي يأتي على قناةِ روتانا خليجيَّة. وفي هذا الأسبوعِ رويتُ في فقرة الحِكاية قصَّتي مع تحديدِ تاريخ ميلادي، وهي قصَّةٌ طويلةٌ ألخصُها بأنَّني سألتُ أمِّي -رحمها الله- متى وُلدتُ؟ فقالت: اسأل خالتكَ فلانة، فهي التي ولَّدتك، فسألتُ خالتي -رحمها الله- فقالت: أنتَ أكبرُ من ابنتِي فلانة بأربعةِ أشهر، حينها تركتُ تاريخ ميلادي، وانطلقتُ أبحثُ عن تاريخ ميلاد فلانة، فدخلتُ في سنواتٍ كثيرةٍ، من ضمنِها سنة الغُرفة، وسنة الجدري، حتَّى وصلتُ إلى سنة تُسمَّى سنة نِهاق الحمير..! عندها أقفلتُ الملفَّ، وبدأتُ أبحثُ عن وسيلة أخرى أكثر دقَّة، وهذا الأمر جعل مكتب الأحوال في بريدة يحوِّلني إلى المستشفى، وفي المستشفى تمَّ تسنيني وجعلي من مواليد ٧/١. حين رويتُ هذه القصَّة تفاعلَ معها البعضُ، ومن ضمنهم الأستاذ الأديب القدير «صلاح بن هندي»، حيث أرسل لي رسالةً يقول فيها: في برنامج (ياهلا بالعرفج) الذي يقدِّمه الأستاذ الجميل مفرح الشقيقي في قناة روتانا، تحدَّث #عامل_المعرفة: أحمد العرفج عن يوم ميلاده، الذي لا يعرف تاريخه بالتَّحديد، سوى أنَّه من مواليد ٧/١، وقد يكون في تلك السنة (6) نوفمبر، وكان حديثه مشوِّقًا كعادته، فذكَّرني ببعض النُّصوص الدِّينيَّة والأدبيَّة التي تطرَّقت ليوم الميلاد، من ذلك ما قاله الحسنُ البصري (١١٠): يا ابن آدم، طء الأرضَ بقدمِكَ فإنَّها عن قريبٍ قبركَ، مازلتُ في هدم عمرِكَ منذُ أنْ سقطتَ من بطنِ أمِّكَ!، وهي نظرةٌ وعظيَّةٌ صِرفةٌ، لكنَّها جاءت بقالبٍ أدبيٍّ أنيقٍ رغم قسوتها على النَّفس!. أيضًا يقولُ الشَّاعرُ كامل الشناوي عن يوم ميلاده: عدتَ يا يومَ مولدِي.. عدتَ يا أيُّها الشَّقي! الصِّبَا ضاعَ مِن يَدِي.. وَغَزَا الشَّيبُ مِفْرَقِي! ليتَ يا يومَ مولِدِي.. كنتَ يومًا بِلَا غَدِ!. وقد غنَّاها فريدُ الأطرش بصوتِهِ الشجيِّ وروحِهِ المعذَّبةِ! أمَّا ابن لعبون فيقول عن طفولته: ضحكتِي بينهمْ وأنَا رضيع مَا سوت بكيتِي يومَ الوداع!. وكانَ جدِّي علي بن هندي -رحمه الله تعالى- يقول لي: قالُوا للمُوصِف «الحكيمِ»: متى علمك بالسَّعادة؟، قال: يومَ كانَ طولُ ثوبِي شبرًا!. وهي نظرةٌ تشاؤميَّةٌ للحياة، ولِمَا بعد الميلاد، وهذه النظرةُ كانتْ عند الإغريقِ أيضًا، فقد قِيلَ لميداس: ما خير للإنسان؟ قال: أنْ لا يُولد!!، قِيل وإنْ وُلد؟ قال: أن يموتَ صغيرًا!. ومعلومٌ أنَّ الفيلسوفَ البلغاريَّ (ايميل سيوران) يرى أنَّ مصيبةَ الإنسان ليست في الموتِ، بل في أنْ يُولد من الأصلِ!. أمَّا أنَا فأقولُ في يومِ ميلادِي وقد نظرتُ إليه نظرةَ تفاؤلٍ: عيدُ ميلادِي غدًا.. آهٍ ما أحَلَى لقَاهُ! فغدًا أوَّلُ يومٍ.. لي في هذِي الحِياة! كانَ يومًا عبقريًّا.. ليسَ يعنينِي سواهُ!. وفي النِّهاية أقولُ: شكرًا لعامل المعرفة العرفج على هذه الدُّرر الأدبيَّة التي ينثرُها تارةً، وينظمُها أُخْرَى في سمط هذا البرنامج الأثيرِ لديَّ. حسنًا ماذا بقِيَ: بقِي القولُ: ما أجمل المُتابع المُنتج، والقارئ المُثمر الذي يتفاعل مع ما يقرأ بشكلٍ حيويٍّ، سواء كانَ في جانبِ المدحِ، أو في جانبِ القَدْحِ.

التعليقات (0)

اضف تعليق