image
د. أحمد عبدالرحمن العرفج
دكتوراه فى الإعلام د. أحمد عبدالرحمن العرفج كاتب
د. أحمد عبدالرحمن العرفج

المدونة

استدعاء طارئ ليوميات قارئ (10)

ذكرت في مقال سابق أن إحدىالقارئات سألتني عن علاقتي بالقراءة.. فقررت أن تكون الإجابة كبسولات مختصرة على شكل يوميات.. تأتي على حلقات.. بمعنى آخر سأجيب عن القراءة وأحوالها كلما تيسرت الإجابة.. وأجوبة القراءة -كما تعلمون- مثل أسئلتها لا تنتهي، لذلك هاكم " الحلقة العاشرة" من اليوميات:الأحد: حاولت أكثر من مرّة إحياء سنّة حميدة، ألا وهي "تهادي الكتب"، بدلاً من باقة ورد محتضرة باهظة الثمن، أو علبة سعرات حرارية ضارة جداً يسمونها "شوكولاتة".. لكن اليوم سأجدد المحاولة، مستعيناً بالله ثم بحكمة لرئيس أمريكا الأسبق إبراهام لينكولن يقول فيها: (أعز صديق لي هو الشخص الذي يمنحني كتابًا لم أقرأه).الاثنين: يقول مثل عربي –وإن كنت أشكُّ في صحّة نسبته للعرب-: (إذا أردت أن تسعد إنساناً فقدّم له كتاباً).. وأضيف إلى ذلك أنك لو أهديت كتاباً للقارئ أحمد العرفج فلن يُسعده الكتاب فقط، بل سيُسعده أن يدعوَ لك كل يوم، عرفاناً وامتناناً.الثلاثاء: يقول المثل الألماني: (المكتبة مستشفى النفوس).. وكلام قوم بعراقة "آل جرمان" في المسائل الطبية يؤخذ على محمل الجدّ، لذا أتمنى أن أحصل يوماً على تصريح من وزارة الصحة لمعالجة المرضى بــ"الرُّقية القرائية"، وأجزم أنها ستكون أكثر فاعلية من رقاة الكيّ والجلْد الذين يعتمدون على أساليب سادية.. أما من يرى في الأمر غرابة "أبشِّره بأن سعر الكشفية سيكون بمبلغ رمزي"، وأحيله إلى ثقافات العديد من الأمم والشعوب القريبة والبعيدة التي تزعم أنها كانت تعالج حالات مرضية مستعصية بالموسيقى والشِّعر.الأربعاء: الكتب العظيمة تعمِّر أكثر من أصحابها، أو بمعنى آخر تبقي سيرة أصحابها حيّة في ثنايا الحروف النابضة، فالجاحظ مثلاً مازال قادراً على إمتاعنا وإدهاشنا بمؤلفاته الخالدة، وكأنه سميرنا في كل ليلة وجليسنا في كلِّ ندوة.. والغريب أن الجاحظ -ما غيره- تحدّث عن الإرث المعرفي الذي يعيش أكثر من صاحبه، وكأنه يصف نفسه، حيث يقول: (يذهب الحكيم وتبقى كتبه، ويذهب العقل ويبقى أثره).الخميس: أديبنا الكبير نجيب محفوظ من الذين يميلون إلى تبسيط المفاهيم، ومن ذلك قوله: (قارئ الحرف هو المتعلم، وقارئ الكتب هـو المثقـف).. لو كان أديبنا الكبير مازال على قيد الحياة لوجّهتُ له السؤال التالي: هل تعتقد يا أستاذ نجيب -بحكم علاقتك الوطيدة بالطبقات الكادحة التي تتمتع بعزّة النفس- أن المثل العربي السقيم: (من علّمني حرفاً كنتُ له عبداً) جنى على مستقبل كثير من أبناء العرب، الذين يفضِّلون التسكُّع في الأزقة بين المجارير، إذا خُيّروا بينها وبين أن يتحوّلوا إلى عبيد يتمتعون برغد العيش في قصور السلاطين)؟.الجمعة: الجميع يحفظ المثل القائل: "الكتاب خير جليس"، ولأننا قوم من الجالسين لم نكلِّف أنفسنا بتحديث هذا المثل، تماشياً مع التطور التقني الكبير الذي أنتج لنا "الكتاب المسموع"، أو "الكتاب الصوتي"، لأن هذه الميزة الجديدة تمكنك من الاستمتاع بالكتاب أثناء ممارسة الرياضة أو التسوُّق، وبالتالي من حقّ هذا الوافد الثقافي الجديد أن نصفه بمثل يقول: (الكتاب خير رفيق).. وبما أن الشيء بالشيء يُذكر سألني أحد المغرِّدين: "ما هي القراءة الضارّة"؟ فقلتُ له: إن كلمتي "قراءة" و"ضارّة" لا تجتمعان في جملة واحدة.. ومن نِعم الله أن قراءة الكتب -في أسوأ الحالات- إذا لم تنفعك، فإنها حتماً لن تضرّك، وقبل مئات السنين أدرك الأديب الفارسي الكبير ابن المقفّع هذه النظرية حين قال: (كل مصحوب ذو هفوات، والكتاب مأمون العثرات).. وإذا بحثتَ في جوجل أو ويكيبيديا ستكتشف بنفسك أن ابن المقفّع لم تقتله قراءة الكتب، وإنما قُتل على يد أقرانه البشر بطريقة بشعة.السبت: الكتاب المشوِّق هو الذي يمسك بتلابيب جوارحك، فتتماهى معه حتى آخر حرف.. وفي بعض الحالات يبلغ الاندماج مرحلة قصوى، لدرجة تدفع البعض للقراءة حتى وهم في الحمّام، ومن يستسهل السخرية من مثل هذا السلوك أحيله إلى فولتير الذي قال: (إن أنفع الكتب هي تلك الكتب التي تستحث القارئ على إتمامها).‫

مقالات ذات صلة

0 0

قانون المزرعة وقانون الكروتة..!

2024-08-18

البشرُ -كلُّ البشرِ- يؤدُّونَ أعمالهم على طريقتَين لا ثالثَ لهما، وهاتان الطريقتان تُسمَّى إحداهما #قانون_المزرعة، والأُخْرَى تُسمَّى #قانون_الكروتة، وحتَّى تتضحَ الأمورُ، دعونا نتحدَّث عن كلِّ قانونٍ ومواصفاتِهِ وتطبيقِهِ على أرضِ الواقعِ. أولًا- قانونُ المزرعة: يقولُ هذا القانون: إنَّ الإنسانَ إذَا أرادَ أنْ يقومَ بعملٍ، فعليه أولًا الإخلاصُ، وعليه ثانيًا الإعدادُ الجيِّدُ، وعليه ثالثًا تجهيزُ وتحضيرُ المواد اللازمةِ لأداءِ المهمَّة، وعليه رابعًا الدقَّةُ والمهارةُ في التنفيذِ، وعليه أخيرًا أنْ يُعطي كلَّ مرحلةٍ من هذه المراحل حقَّها ومستحقَّها من التَّركيزِ والإتقانِ والصَّبرِ. وإذا أردنا أنْ نطبِّقَ هذا القانونَ على أرضِ الواقعِ فإليكم قانون الأستاذة نظميَّة في الطبخِ، فهي تقرِّرُ في الصباحِ ماذا سوف تطبخ، وهنا تأتي الإرادةُ، ثُمَّ تقومُ بتحضيرِ المواد وترتيبها وتقطيعها بكلِّ إخلاصٍ، ثُمَّ تضعها على نارٍ هادئةٍ حتَّى تستوي وفقَ قوانين الطبيعة، إنَّها بذلك تشبهُ قانونَ المزرعةِ، الذي يقوم به المزارعُ من حيث حرث الأرضِ، ورمي البذورِ، وسقي الأرضِ والصَّبر عليه حتَّى يثمرَ ويُخرِجَ الخيراتِ من غرس النباتِ. ثانيًا- قانونُ الكروتة: وهذا القانونُ يقولُ إنَّ الإنسانَ يقومُ بعمله على نظامِ السرعةِ والاستعجالِ، ورمي الأشياء فوقَ بعضها من دونِ إخلاصٍ، أو تحضيرٍ، أو صبرٍ، أو دقَّةٍ في التَّنفيذ، وإذا أردنا مثالًا على هذا، فهي تشبهُ حالتي في المرحلة الابتدائيَّة، فقدْ كنتُ أنسى الموادَّ، وأهملُ المذاكرةَ، وإذا جاءت ليلةُ الامتحان أعلنُ حالةَ الاستنفارِ والطوارئِ، وأسهرُ طوالَ الليلِ، من أجل المذاكرةِ التي لا تثمرُ في هذا الوقتِ الضائعِ، والنتيجةُ النهائيَّةُ هي أنَّني مكثتُ في الابتدائيَّة أكثرَ من عشرِ سنواتٍ، في حين أنَّ أقراني قد أنجزُوها في ستِ سنواتٍ، وبعضهم في خمسٍ. ولو أردنا تطبيقَ الكروتةِ على الطبخِ، سأذكرُ لكم طريقةَ طبخِ صديقي «أبي نوح»، فهو يستيقظُ في الظهيرةِ، ويذهب إلى الثلاجةِ، ويلمُّ ما بها من أغراضٍ، ويرمي بها في قدرِ الضغطِ، وبعد نصفِ ساعةٍ يفتحُ ويأكلُ الطَّعامَ الذي كَرْوَتَهُ، ليكونَ عالي الوجبةِ سافلهَا، وسافلهَا عاليهَا. حسنًا ماذا بقي: بقيَ القولُ: يا قومُ أخبرُوني هل أنتمْ على وفاقٍ مع قانونِ المزرعةِ أم قانونِ الكروتةِ؟!

0 1

حين ضاع تاريخ ميلادي..!

2024-08-18

كالعادةِ، يتفاعلُ المحبُّونَ والأصدقاءُ والمتابعُونَ والمتابعاتُ، مع ما يُطرحُ في برنامج #ياهلا_بالعرفج، الذي يأتي على قناةِ روتانا خليجيَّة. وفي هذا الأسبوعِ رويتُ في فقرة الحِكاية قصَّتي مع تحديدِ تاريخ ميلادي، وهي قصَّةٌ طويلةٌ ألخصُها بأنَّني سألتُ أمِّي -رحمها الله- متى وُلدتُ؟ فقالت: اسأل خالتكَ فلانة، فهي التي ولَّدتك، فسألتُ خالتي -رحمها الله- فقالت: أنتَ أكبرُ من ابنتِي فلانة بأربعةِ أشهر، حينها تركتُ تاريخ ميلادي، وانطلقتُ أبحثُ عن تاريخ ميلاد فلانة، فدخلتُ في سنواتٍ كثيرةٍ، من ضمنِها سنة الغُرفة، وسنة الجدري، حتَّى وصلتُ إلى سنة تُسمَّى سنة نِهاق الحمير..! عندها أقفلتُ الملفَّ، وبدأتُ أبحثُ عن وسيلة أخرى أكثر دقَّة، وهذا الأمر جعل مكتب الأحوال في بريدة يحوِّلني إلى المستشفى، وفي المستشفى تمَّ تسنيني وجعلي من مواليد ٧/١. حين رويتُ هذه القصَّة تفاعلَ معها البعضُ، ومن ضمنهم الأستاذ الأديب القدير «صلاح بن هندي»، حيث أرسل لي رسالةً يقول فيها: في برنامج (ياهلا بالعرفج) الذي يقدِّمه الأستاذ الجميل مفرح الشقيقي في قناة روتانا، تحدَّث #عامل_المعرفة: أحمد العرفج عن يوم ميلاده، الذي لا يعرف تاريخه بالتَّحديد، سوى أنَّه من مواليد ٧/١، وقد يكون في تلك السنة (6) نوفمبر، وكان حديثه مشوِّقًا كعادته، فذكَّرني ببعض النُّصوص الدِّينيَّة والأدبيَّة التي تطرَّقت ليوم الميلاد، من ذلك ما قاله الحسنُ البصري (١١٠): يا ابن آدم، طء الأرضَ بقدمِكَ فإنَّها عن قريبٍ قبركَ، مازلتُ في هدم عمرِكَ منذُ أنْ سقطتَ من بطنِ أمِّكَ!، وهي نظرةٌ وعظيَّةٌ صِرفةٌ، لكنَّها جاءت بقالبٍ أدبيٍّ أنيقٍ رغم قسوتها على النَّفس!. أيضًا يقولُ الشَّاعرُ كامل الشناوي عن يوم ميلاده: عدتَ يا يومَ مولدِي.. عدتَ يا أيُّها الشَّقي! الصِّبَا ضاعَ مِن يَدِي.. وَغَزَا الشَّيبُ مِفْرَقِي! ليتَ يا يومَ مولِدِي.. كنتَ يومًا بِلَا غَدِ!. وقد غنَّاها فريدُ الأطرش بصوتِهِ الشجيِّ وروحِهِ المعذَّبةِ! أمَّا ابن لعبون فيقول عن طفولته: ضحكتِي بينهمْ وأنَا رضيع مَا سوت بكيتِي يومَ الوداع!. وكانَ جدِّي علي بن هندي -رحمه الله تعالى- يقول لي: قالُوا للمُوصِف «الحكيمِ»: متى علمك بالسَّعادة؟، قال: يومَ كانَ طولُ ثوبِي شبرًا!. وهي نظرةٌ تشاؤميَّةٌ للحياة، ولِمَا بعد الميلاد، وهذه النظرةُ كانتْ عند الإغريقِ أيضًا، فقد قِيلَ لميداس: ما خير للإنسان؟ قال: أنْ لا يُولد!!، قِيل وإنْ وُلد؟ قال: أن يموتَ صغيرًا!. ومعلومٌ أنَّ الفيلسوفَ البلغاريَّ (ايميل سيوران) يرى أنَّ مصيبةَ الإنسان ليست في الموتِ، بل في أنْ يُولد من الأصلِ!. أمَّا أنَا فأقولُ في يومِ ميلادِي وقد نظرتُ إليه نظرةَ تفاؤلٍ: عيدُ ميلادِي غدًا.. آهٍ ما أحَلَى لقَاهُ! فغدًا أوَّلُ يومٍ.. لي في هذِي الحِياة! كانَ يومًا عبقريًّا.. ليسَ يعنينِي سواهُ!. وفي النِّهاية أقولُ: شكرًا لعامل المعرفة العرفج على هذه الدُّرر الأدبيَّة التي ينثرُها تارةً، وينظمُها أُخْرَى في سمط هذا البرنامج الأثيرِ لديَّ. حسنًا ماذا بقِيَ: بقِي القولُ: ما أجمل المُتابع المُنتج، والقارئ المُثمر الذي يتفاعل مع ما يقرأ بشكلٍ حيويٍّ، سواء كانَ في جانبِ المدحِ، أو في جانبِ القَدْحِ.

التعليقات (0)

اضف تعليق