استدعاء طارئ ليوميات قارئ (10)
ذكرت في مقال سابق أن إحدىالقارئات سألتني عن علاقتي بالقراءة.. فقررت أن تكون الإجابة كبسولات مختصرة على شكل يوميات.. تأتي على حلقات.. بمعنى آخر سأجيب عن القراءة وأحوالها كلما تيسرت الإجابة.. وأجوبة القراءة -كما تعلمون- مثل أسئلتها لا تنتهي، لذلك هاكم " الحلقة العاشرة" من اليوميات:الأحد: حاولت أكثر من مرّة إحياء سنّة حميدة، ألا وهي "تهادي الكتب"، بدلاً من باقة ورد محتضرة باهظة الثمن، أو علبة سعرات حرارية ضارة جداً يسمونها "شوكولاتة".. لكن اليوم سأجدد المحاولة، مستعيناً بالله ثم بحكمة لرئيس أمريكا الأسبق إبراهام لينكولن يقول فيها: (أعز صديق لي هو الشخص الذي يمنحني كتابًا لم أقرأه).الاثنين: يقول مثل عربي –وإن كنت أشكُّ في صحّة نسبته للعرب-: (إذا أردت أن تسعد إنساناً فقدّم له كتاباً).. وأضيف إلى ذلك أنك لو أهديت كتاباً للقارئ أحمد العرفج فلن يُسعده الكتاب فقط، بل سيُسعده أن يدعوَ لك كل يوم، عرفاناً وامتناناً.الثلاثاء: يقول المثل الألماني: (المكتبة مستشفى النفوس).. وكلام قوم بعراقة "آل جرمان" في المسائل الطبية يؤخذ على محمل الجدّ، لذا أتمنى أن أحصل يوماً على تصريح من وزارة الصحة لمعالجة المرضى بــ"الرُّقية القرائية"، وأجزم أنها ستكون أكثر فاعلية من رقاة الكيّ والجلْد الذين يعتمدون على أساليب سادية.. أما من يرى في الأمر غرابة "أبشِّره بأن سعر الكشفية سيكون بمبلغ رمزي"، وأحيله إلى ثقافات العديد من الأمم والشعوب القريبة والبعيدة التي تزعم أنها كانت تعالج حالات مرضية مستعصية بالموسيقى والشِّعر.الأربعاء: الكتب العظيمة تعمِّر أكثر من أصحابها، أو بمعنى آخر تبقي سيرة أصحابها حيّة في ثنايا الحروف النابضة، فالجاحظ مثلاً مازال قادراً على إمتاعنا وإدهاشنا بمؤلفاته الخالدة، وكأنه سميرنا في كل ليلة وجليسنا في كلِّ ندوة.. والغريب أن الجاحظ -ما غيره- تحدّث عن الإرث المعرفي الذي يعيش أكثر من صاحبه، وكأنه يصف نفسه، حيث يقول: (يذهب الحكيم وتبقى كتبه، ويذهب العقل ويبقى أثره).الخميس: أديبنا الكبير نجيب محفوظ من الذين يميلون إلى تبسيط المفاهيم، ومن ذلك قوله: (قارئ الحرف هو المتعلم، وقارئ الكتب هـو المثقـف).. لو كان أديبنا الكبير مازال على قيد الحياة لوجّهتُ له السؤال التالي: هل تعتقد يا أستاذ نجيب -بحكم علاقتك الوطيدة بالطبقات الكادحة التي تتمتع بعزّة النفس- أن المثل العربي السقيم: (من علّمني حرفاً كنتُ له عبداً) جنى على مستقبل كثير من أبناء العرب، الذين يفضِّلون التسكُّع في الأزقة بين المجارير، إذا خُيّروا بينها وبين أن يتحوّلوا إلى عبيد يتمتعون برغد العيش في قصور السلاطين)؟.الجمعة: الجميع يحفظ المثل القائل: "الكتاب خير جليس"، ولأننا قوم من الجالسين لم نكلِّف أنفسنا بتحديث هذا المثل، تماشياً مع التطور التقني الكبير الذي أنتج لنا "الكتاب المسموع"، أو "الكتاب الصوتي"، لأن هذه الميزة الجديدة تمكنك من الاستمتاع بالكتاب أثناء ممارسة الرياضة أو التسوُّق، وبالتالي من حقّ هذا الوافد الثقافي الجديد أن نصفه بمثل يقول: (الكتاب خير رفيق).. وبما أن الشيء بالشيء يُذكر سألني أحد المغرِّدين: "ما هي القراءة الضارّة"؟ فقلتُ له: إن كلمتي "قراءة" و"ضارّة" لا تجتمعان في جملة واحدة.. ومن نِعم الله أن قراءة الكتب -في أسوأ الحالات- إذا لم تنفعك، فإنها حتماً لن تضرّك، وقبل مئات السنين أدرك الأديب الفارسي الكبير ابن المقفّع هذه النظرية حين قال: (كل مصحوب ذو هفوات، والكتاب مأمون العثرات).. وإذا بحثتَ في جوجل أو ويكيبيديا ستكتشف بنفسك أن ابن المقفّع لم تقتله قراءة الكتب، وإنما قُتل على يد أقرانه البشر بطريقة بشعة.السبت: الكتاب المشوِّق هو الذي يمسك بتلابيب جوارحك، فتتماهى معه حتى آخر حرف.. وفي بعض الحالات يبلغ الاندماج مرحلة قصوى، لدرجة تدفع البعض للقراءة حتى وهم في الحمّام، ومن يستسهل السخرية من مثل هذا السلوك أحيله إلى فولتير الذي قال: (إن أنفع الكتب هي تلك الكتب التي تستحث القارئ على إتمامها).
©