image
الاستاذ عبداللطيف الضويحي
باحث تنموي، خبير جوائز تنموية، و مستشار و كاتب رأي أسبوعي
الاستاذ عبداللطيف الضويحي

المدونة

الابتكارات ومعضلة الهيكل التنظيمي

لأسباب كثيرة ومتنوعة، استوقفني مطولاً ما نشرته الصحف المحلية ووكالة الأنباء السعودية عن أن أكثر من 400 مبتكر يمثلون 90 فريقاً من المبتكرين يخوضون سباقاً حامياً في رحلة البحث عن إيجاد حلول تعزز إنتاجية القطاع العام والقطاع الخاص وابتكار حلول تقنية متقدمة تسهم في رفع مستوى الكفاءة في القطاعين الحكومي والأهلي في المملكة وذلك تحقيقاً للتكامل بين هذين القطاعين من خلال استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين الكفاءة وتسريع وتيرة الإنجاز في القطاعين.


هذه الإنجازات ليست عادية، ولا يجوز أن تتم قراءتها بمعزل عن البيئة المباشرة وغير المباشرة التي أفرزتها وحضنتها وجعلتها تزاحم أخباراً أقل من عادية تعوّد الناس على مشاهدتها في النشرات. هذه المسابقة هي أحد المؤشرات على حجم ونوع التفاعلات الإيجابية التي تشهدها مجتمعاتنا المحلية بشكل شبه دائم ومستمر انسجاماً وتناغماً من التغيير.

أولاً: لقد نجحت فكرة هذا السباق بالربط المباشر بين من يحتاج الابتكار مع من يملك القدرة على الابتكار، حيث ولى زمن العمل في جزر معزولة بين كل طرف من الطرفين. فالربط بين المشكلات الملحّة مجتمعياً ومن هم قادرون على تقديم الحلول لم يعد شأناً يخص مؤسسة بعينها. هذه ثقافة تنسف التفكير النمطي الذي يترك كل مؤسسة تحل مشكلاتها بنفسها وبإمكاناتها البشرية والمالية المحدودة، فلا مجال للأخطاء المكررة.




ثانياً: هذه السباق يكشف البعد المؤسساتي في تحديد الأزمات المهمة، كما يكشف البعد المؤسساتي في تقديم الحلول. فهذا السباق يشرف عليه عدد من المؤسسات الحكومية هي: هيئة الحكومة الرقمية، وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، ووزارة الاقتصاد والتخطيط، وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، وزارة المالية، هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية، هيئة الإذاعة والتلفزيون، المركز الوطني لنظم الموارد الحكومية، البرنامج الوطني لتنمية تقنية المعلومات. فهذا لم يعد شأن وزارة بعينها. وهذا يعني أن الابتكار لم يعد شأناً فردياً، والأزمات لم تعد أزمات تعني مؤسسات بعينها، وكما يعني أن الحلول يمكن أن يستفيد منها كافة المؤسسات في القطاعين العام والخاص، مثلما أن الحلول تخدم المستفيدين والمجتمع ككل.


ثالثاً: هذه المسابقة تؤكد حجم التقارب المتنامي والمتسارع بين القطاع الحكومي العام والتجاري الخاص وردم الهوة بينهما باعتبارهما ركيزتين وطنيتين، وهي ظاهرة صحية، حيث يستهدف هاكثون إنجاز القطاعين العام والخاص. هذا التنامي والتناغم والانسجام بين القطاعين يؤكد أهمية دور القطاعين في مسيرة التنمية والنهضة الشاملة التي تعيشها المملكة بمختلف القطاعات.


رابعاً: هذا السباق يعني أن لا أحد خارج الشراكة، فالمبتكرون والمخترعون والمكتشفون أصبحوا ضمن دائرة الشراكة المجتمعية، فهم مدعوون لتقديم حلول لمشكلات قائمة وملحّة بدلاً من هدر طاقاتهم خارج دائرة الأولويات وبعيداً عن القضايا الكبرى سواء في هذا الموضوع أو خلافه.


من المهم هنا وفي هذا السياق أن أستحضر معضلة تعاني منها الكثير من المؤسسات متمثلة بالهيكل التنظيمي وعلاقته بالمنصات الرقمية والابتكار ككل داخل المؤسسة. الهيكل التنظيمي في أي مؤسسة إما أن يكون محفزاً للإبداع والابتكار أو أن يكون عائقاً أمام تحقيق الإبداع والابتكارات إلا ما ندر. فالهيكل التنظيمي المرن يعزز من قدرة الموظفين على تقديم أفكار جديدة وتنفيذها، كما أن التنسيق العالي والمستمر بين الإدارات يزيد كفاءة تبني الابتكارات، التسلسل الهرمي الصارم يقتل الابتكار ويتسم بالجمود ومقاومة التغيير، عكس الهيكل الأفقي المسطح، كما أن التوازن بين المركزية واللامركزية مطلب ملح للمواءمة بين سرعة اتخاذ القرارات وخلق بيئة تقبل الابتكارات وتحفظ حقوق أصحابها، مع مراعاة التضارب الذي عادة ما ينشأ بين المصالح نتيجة للتركيز على الابتكارات وهو ما يتطلب إدارة ذكية للصراعات.


أظن أن التقنية ومعطيات الرقمنة والابتكارات لا بد أن تفرض على خبراء التنظيم إعادة تصميم الهيكل التنظيمي وتحويلها من هرمية إلى أفقية، والركون ربما لفريق عمل متعدد الخلفيات والتخصصات، وتعزيز اتخاذ القرارات لدى الموظفين من أسفل، بالإضافة إلى التدريب المستمر والتأهيل لتعزيز ثقافة الابتكار.


أخيراً، الابتكار والإبداع يحتاجان إلى بيئة وهياكل تنظيمية مرنة، وأقترح أن يتم اتخاذ خطوة بهذا الاتجاه، بالتزامن مع سباق هاكثون إنجاز، بحيث تكون البيئة في كل مؤسسة صالحة وحاضنة للابتكارات وليست طاردة لها.

مقالات ذات صلة

متى يتحرر العالم من عُقدة إسرائيل ؟

2025-05-20

التاريخ الحديث مليء بالدروس التي تقول إن إسرائيل فكرةٌ قامت في فلسطين على الإجرام والبطش والكذب والخداع، ولم تقم أبداً على الأخلاق والقانون والإنسانية والمشتركات البشرية. مثلما أن التاريخ البعيد والمتوسط يزخر بالحوادث والأحداث التي تؤكد أن هذا الكيان لا يمكنه التعايش مع شعوب ودول العالم شرقه وغربه.

في علم النفس الاجتماعي السياسي هناك فرق بين شعور الخوف وشعور الولاء والاحترام، لكن علم النفس الاجتماعي السياسي يعلمنا أن هناك حالات يتحول معها الخوف من القوي إلى حب وهمي واحترام مزيف وهو ما يعرف باسم علاقة التماهي مع المعتدي، حيث يقوم الطرف الضعيف بدافع الخوف أو البقاء أو تقليل الأذى بإظهار الولاء للطرف القوي المستبد خشية من بطشه أو رغبة بكسب مصالح، لكن ذلك لا يدوم ولا يصمد طويلاً، وهذا ما يحكم العلاقة بين الكيان الإسرائيلي وحلفائه.

لا أعتقد أن هناك من يكنُّ أي احترام للكيان الغاصب في فلسطين، ولا أظن أن هناك من يتشرّف أن يرتبط اسمه باسم الكيان، لكن الإعلام والسياسة والأدوات القذرة قادرة على مونتاج المشهد وتحويل الصورة من الخوف إلى صورة الولاء.

إن حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع غير المسبوقة على الشعب العربي الفلسطيني في غزة لم تبق للإعلام والسياسة مجالاً للحفاظ على السردية الإسرائيلية الغربية، فلأول مرة يقف الإعلام الصهيوني العالمي والإدارة الصهيونية العالمية عاجزين عن إخفاء القُبح والقذارة العميقة لحقيقة هذا الكيان وطبيعته الاستعمارية الإمبريالية، فقد رأى العالم هذا الكيان المجرم لأول مرة بصورته الإجرامية الحقيقية رغم بقايا المكياج السياسي والإعلامي الصهيوني لهذا الكيان.

هذا كيان لا يستطيع أن يتعايش مع غيره، ولا يستطيع أن يعيش مع ذاته، فلو استحوذ على غزة والضفة الغربية والقدس واحتل فلسطين كاملة، سيبقى في حروب مستمرة مع دول الجوار لأسباب أيديولوجية قائمة على عقدة التفوق التي لا يختلف فيها اليمين عن اليسار.

الغارات الخاطفة التي يقوم بها هذا الكيان في داخل فلسطين وخارجها تكشف محاولات الكيان ترميم صورة جيشه المهزوم التي يريد تغييرها لتنسجم مع عقدة تفوقه، فهو يضرب الضفة الغربية، لفشله في غزة، وهو يجوّع سكان القطاع المدنيين بالكامل ويفجّر المدارس والمشفيات ويقتل الصحافيين وعمال الإغاثة وكلها أهداف محرّمة في الحروب، ناهيك عن الحروب تحت الاحتلال، تعويضاً عن فشله بإخراج الأسرى الصهاينة.

كما أن هذا الكيان المجرم يضرب في لبنان وفي سوريا، لفشله في تحقيق أهدافه المعلنة في الداخل الفلسطيني، محاولاً رفع معنويات «الجيش الأقوى في المنطقة»، واستعادة صورة الكيان القادر على حماية ورعاية مصالح الاستعمار الغربي في المنطقة العربية وأفريقيا انطلاقا من عقدة التفوق.

هناك جهل عميق للأسف لدى الكثير من دول وشعوب العالم بفكرة هذا الكيان ومستهدفاته وعلاقاته بالاستعمار الغربي وبكل الحركات العالمية الفاشية والنازية والمهددة للبشرية والأمن والسلم الدوليين.

كما أن هناك جهلاً عميقاً بعمق علاقات ونفوذ هذا الكيان ببعض العواصم والشركات والمدارس الفكرية، وجهلاً مركباً بالفكر الصهيوني وعمله الدؤوب والمستمر على إنتاج وتصدير الأزمات في الدول العربية والأفريقية والعالم.

على العالم أن يفهم -قبل فوات الأوان- أن الخطر الذي يمثله الكيان الغاصب في فلسطين لا يهدد فلسطين والدول العربية والأفريقية والعالم الإسلامي فقط، فعقدة التفوق لدى هذا الكيان ستجعل من أوروبا هدفاً يوماً ما لطموحات هذا الكيان وانتقامه منها.

على الأوروبيين أن يقلقوا من هذا الكيان، وعليهم ألا يركنوا إلى فكرة أن هذا الكيان سيبقى ممتناً للغرب على منحه فلسطين على حساب أهلها وسكانها الأصليين، وعليهم أن ينسوا أن هذا الكيان يقيم وزناً أو احتراماً لهم، بل إنهم ليسوا في مأمنٍ منه، بسبب عقدة التفوق لديه، وبسبب رغبة الانتقام من الأوروبيين، فهذا الكيان لن يتردد أن يفعل مع الأوروبيين، الذين طردوا مكوناته عشرات المرات عبر التاريخ، أفضع مما فعله مع أهل غزة بما في ذلك السلاح النووي، فهو كيان بلا أخلاق وبلا قيم وبلا إنسانية.

على العالم أن يستيقظ ويعيد هذا الكيان الغاصب لنقطة الصفر قبل أن يستفحل معه مرض وعقدة التفوق العنصري فيثأر من الأوروبيين إرضاءً لعقدة التفوق لديه، بدعم ربما وتمويل من الضفة الأخرى من الأطلسي.

الصراع الهندي الباكستاني وتركة المستعمر البريطاني

2025-05-06

شهدت العلاقات بين الهند وباكستان مؤخراً توتراً وتصعيداً خطيراً ينذر بمواجهة عسكرية بين الجارين النوويين على خلفية أزمة كشمير؛ التي نشأت بسبب تقسيم المستعمر البريطاني شبه القارة الهندية سنة 1947، بين الهند وباكستان على أساس ديني، وبقي الخلاف بين الطرفين حول كشمير ذات الغالبية المسلمة، لكن بسبب المهراجا (غير المسلم) الذي يحكم إقليم كشمير طلب انضمام كشمير إلى الهند.

هذه ليست المرة الأولى التي تتواجه بها الهند وباكستان. فقد نشبت بين البلدين حرب 1947- 1948 حول كشمير بعد انضمام مهراجا كشمير إلى الهند خلافاً لرغبة سكان كشمير وغالبيتهم من المسلمين، كما نشبت حرب 1965 حول كشمير كذلك، ثم نشبت حرب 1971 وهذه بسبب دعم الهند لحركة استقلال بنغلاديش أو ما كان يعرف باسم باكستان الشرقية، ثم حرب 1999، وبقيت الاشتباكات الحدودية مستمرة منذ سنة 2000 إلى الآن. لكن التوتر الحالي يكتسب خطورة مختلفة هذه المرة؛ بسبب وتيرة وحدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، الذي أجج الكثير من الخلافات في العالم.

الاستعمار البريطاني تسبب بالكثير من المآسي في مناطق العالم وخلّف الكثير من بؤر التوتر والصراعات داخل الدول وبين الدول بعضها ببعض، ومن هذه الصراعات: أزمة دولة فلسطين والناجم عن وعد بلفور البريطاني ودعم بريطانيا لهجرة الصهاينة ليحتلوا فلسطين والتسبب بتشريد ملايين من الشعب الفلسطيني حتى اليوم، كما تسبب الاستعمار البريطاني بتقسيم السودان إلى شمال السودان وجنوب السودان، الصراع في نيجيريا بين الشمال والجنوب، الصراع في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية، الحدود غير المستقرة بين بورما- مينمار، أفغانستان- باكستان، الأزمة القبرصية، بالإضافة لأزمة كشمير.

إن بقاء هذه الأزمات إلى الآن وتفجر بؤر الصراع التي خلفها المستعمر قصداً من حين لآخر، يعني بوضوح أن الاستعمار الغربي لا يزال يتحكم بمستعمراته السابقة ولا يزال يعوق تنميتها وينتهك سيادتها. بل إن المستعمر الغربي هو من يتحكم بالمؤسسات الدولية ويعوقها عن ممارسة دورها في حفظ السلام والأمن الدوليين، مثلما يفعله البريطانيون والأمريكيون في مجلس الأمن الدولي من حماية لمشروعهم الاستعماري الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية، وما ينطوي عليه هذا المشروع من حرب إبادة وتطهير عرقي وتهجير ضد السكان الأصليين في فلسطين والدول العربية ومنح أرض فلسطين للمرتزقة والعصابات الصهيونية المجرمة، إلى جانب ما قامت به الدول الاستعمارية الغربية من استغلال ونهب لموارد الدول التي وقع عليها الاستعمار.

لا بد من تشكيل تحالف يضم الدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني خاصة والاستعمار الغربي عموماً، والقيام بعمل منظم ومدروس ومستمر لملاحقة بريطانيا والدول الاستعمارية الغربية قانونياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً لإرغام هذه الدول على الاعتراف بكل الجرائم التي ارتكبوها ولا يزالون يرتكبونها بحق الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار وإرغامهم على دفع كامل التعويضات لكل الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والغربي.

يجب أن تدفع بريطانيا وفرنسا وغيرهما من المستعمرين الأوروبيين ثمن جرائمهم ضد شعوب ودول العالم الثالث، ولا بد أن يرتدعوا عن الاستمرار بممارسة دورهم الاستعماري الخفي تحت غطاء شركات نهب الموارد في الدول الأفريقية.

يشهد العالم اليوم تحولاً كبيراً في موازين القوى، ويشهد تراجعاً لقوة وهيمنة ونفوذ القطب الواحد، مقابل صعود قوى جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهذا يفتح الباب على الاقتصاص من المستعمرين الغربيين وقد يكون ظرفاً مؤاتياً لتأسيس منظمة عالمية تقوم على استعادة حقوق الدول والشعوب التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والفرنسي والغربي وتسبب بنهب موارد تلك الدول وتهجير سكانها وتدمير حضاراتها وتمزيق كياناتها على يد المستعمر البريطاني والغربي عموماً. يجب أن تنصاع بريطانيا والدول الغربية لمطالب الدول المتضررة منها عبر عقود من الزمن، ويجب أن تدفع الدول المستعمرة كامل التعويضات بالقانون وبالأدوات التي تخلص إليها المنظمة العالمية المنتظرة المناط بها ملاحقة المستعمرين للاعتراف بجرائم الاستعمار في فلسطين وفي كشمير وفي أفريقيا وفي كل مكان.

التعليقات ()

اضف تعليق