image
الاستاذ عبداللطيف الضويحي
باحث تنموي، خبير جوائز تنموية، و مستشار و كاتب رأي أسبوعي
الاستاذ عبداللطيف الضويحي

المدونة

إذا التعليم هو البداية.. فما هي بداية التعليم ؟

عندما يختلف المعلمون مع المؤسسة التعليمية حول فلسفة التعليم، فإن المرجع بهذا الاختلاف هو أهداف التعليم وهي المحكمة للفصل بين المؤسسة والمعلمين والمعلمات. لكن ما العمل إذا كانت أهداف التعليم بحاجة لإعادة صياغة تضع النقاط على الحروف وتسمي الأشياء بمسمياتها وتجعل القياس ممكناً للنتائج؟ وكيف نعرف إذا التعليم لدينا على السكة الصحيحة، بينما أهداف التعليم تسودها الضبابية في اللغة والدلالة؟ ثم كيف ترتب الوزارة أولوياتها، إذا تعذر تنفيذ كل أهداف التعليم لأي سبب من الأسباب؟

ما معنى المراحل التعليمية الثلاث ابتدائي، متوسط، وثانوي؟ هل لا تزال المراحل الثلاث ذات دلالة وجدوى تربوياً ومعرفياً في عصرنا هذا؟ وما هو الفرق بين المرحلة الابتدائية، والمرحلة المتوسطة، والمرحلة الثانوية من وجهة نظر أهداف التعليم ووزارة التعليم؟ لماذا الابتدائية ست سنوات إذا لم يكن لذلك صلة وارتباط بإعداد وتأسيس الطلبة والطالبات وتمكينهم من مهارات مفتاحية أساسية في مقدمتها القراءة والكتابة والتحدث؟ ما معنى تكرار مقرر اللغة الإنجليزية في السنوات الثلاث الأخيرة للمرحلة الابتدائية؟ هل يجوز أن يمضي الطالب ست سنوات في مرحلة الابتدائية من دون أن يتم تشخيص ميوله ونفسيته وذهنيته وقدراته ومن ثم البناء على هذا التشخيص لتعزيز قدراته وشخصيته وتحديد مساراته؟



لماذا المرحلة المتوسطة إذا كانت بدون أهداف تربوية أو نفسية أو ذهنية أو تعليمية؟ وما هي الأهداف المراد تحقيقها من المرحلة المتوسطة، إذا كانت بالفعل تختلف عن المرحلة الابتدائية والمرحلة الثانوية؟



كانت مقالتي في «عكاظ» الأسبوع الماضي حول تدني مستوى الطلبة في مهارات: القراءة والكتابة والتحدث، بعنوان «طلابنا لا يقرؤون لا يكتبون ولا يتحدثون يا وزارة التعليم»، يبدو لي من الردود على المقال والتعليقات أن هناك فجوة كبيرة بين الوزارة والمعلمين، بين المؤسسة التعليمية والمعلمين والمعلمات. فكيف تتوقع الوزارة الوصول لنتائج مثمرة، بينما الوزارة في وادٍ والمعلمون في وادٍ آخر؟ لا يمكن أن يكون المعلمون كلهم خطأ لو افترضنا صوابية الوزارة، وليس صحيحاً أن يتم تجاهل رأي المعلمين والمعلمات في العملية التعليمية وهم الممارسون والممارسات في الميدان؟

كما لا يمكن فهم تكليف بعض المعلمين بتدريس مواد ليست من تخصصاتهم، ولا يمكن فهم تعليم لغات أجنبية مثل الصينية من غير معلمين حتى لو كانت المادة اختيارية، ولا يمكن فهم وتبرير تكرار تدريس مقرر اللغة الإنجليزية نفسه لثلاث سنوات متتالية في الصفوف الأخيرة من المرحلة الابتدائية.

أفهم أن تكون المنصات الإلكترونية مصدراً تعليمياً مساعداً، لكني لا أفهم أن تكون تلك المنصات بديلاً عن المقررات وبديلاً عن المعلمين والمعلمات. لا يجوز أن تتخلى المؤسسة التعليمية عن مسؤوليتها من خلال اعتمادها الكلي والمطلق على المنصات الإلكترونية؟ وإلا لماذا يتكبد الطلبة والطالبات عناء المجيء للمدرسة واستنزاف جهود أهلهم ما بين المواصلات والموارد والجهود، إذا كانت العملية التعليمية ستختزل في منصات إلكترونية في نهاية المطاف؟

لست ضد المنصات ومؤمن بثراء بعضها، لكني أستغرب أن تكون تلك المنصات بديلاً عن الكتاب والكراس وبديلاً عن المعلمين والمعلمات، فلا يجوز أن نلقي باللوم على الطلبة في تدني مستوياتهم المعرفية ومهاراتهم وحتى السلوكية ولا يجوز تحميل اللوم على الأسرة، إذا نحن لا نوفر لهم المعلمين المتخصصين والمناسبين في المراحل المناسبة.

رسالة لمعالي وزير التعليم، هناك مشكلة أزلية في المؤسسة التعليمية، ليس من العدل إلصاقها بفترة وزير بعينه، فنحن كمجتمع وأولياء أمور وفئات مجتمعية ومهنية اعتقدنا في ما مضى أنها مشكلة تأهيل المعلم، ثم اعتقدنا بعد ذلك أنها مشكلة عدم جدية الطالب، ثم اعتقدنا بعد ذلك أنها مشكلة عدم تكامل دور الأسرة مع دور المدرسة، لكن الصورة بدأت تتضح مؤخراً شيئاً فشيئاً بفضل ما تحقق من برامج الرؤية والنتائج الملموسة على الأرض، فيبدو أن المشكلة الحقيقية تكمن في إستراتيجية التعليم ووضع الأهداف وترتيب أولويات التعليم في ما يتعلق بتحقيق تلك الأهداف.



معالي الوزير، حتى لو سلمنا بوضوح أهداف التعليم وقدرة الوزارة على إعادة صياغة أهدافها وترتيب أولوياتها، فإن من المشكوك فيه أن تنجح العملية التعليمية، مع وجود فجوة كبيرة بين المعلمين والمعلمات من جهة والمؤسسة التعليمية من جهة أخرى، كما أنه من المشكوك فيه أن يستعيد التعليم زمام المبادرة وأن يقود قاطرة التنمية، إذا لم يتم تفعيل النظريات التربوية والتعليمية الحديثة بدءاً من الطفولة المبكرة والتوقف عند المعنى التربوي لكل مرحلة من مراحل التعليم واستخدام القياس الحقيقي لتحقيق أهداف كل مرحلة وإعادة النظر بقدسية المراحل التعليمية الثلاث والعمل على تقسيم مراحل التعليم العام وفقاً لمعنى ودلالة تربوية ومعرفية تعكسها وتترجمها المراحل التعليمية من خلال أهداف كل مرحلة وصولاً إلى سوق العمل ومن خلال الحفاظ على الهوية الثقافية والتمكين المعرفي والمهني من القدرات والمهارات المفتاحية (القراءة، الكتابة، التحدث) أولاً وقبل كل شيء.

مقالات ذات صلة

متى يتحرر العالم من عُقدة إسرائيل ؟

2025-05-20

التاريخ الحديث مليء بالدروس التي تقول إن إسرائيل فكرةٌ قامت في فلسطين على الإجرام والبطش والكذب والخداع، ولم تقم أبداً على الأخلاق والقانون والإنسانية والمشتركات البشرية. مثلما أن التاريخ البعيد والمتوسط يزخر بالحوادث والأحداث التي تؤكد أن هذا الكيان لا يمكنه التعايش مع شعوب ودول العالم شرقه وغربه.

في علم النفس الاجتماعي السياسي هناك فرق بين شعور الخوف وشعور الولاء والاحترام، لكن علم النفس الاجتماعي السياسي يعلمنا أن هناك حالات يتحول معها الخوف من القوي إلى حب وهمي واحترام مزيف وهو ما يعرف باسم علاقة التماهي مع المعتدي، حيث يقوم الطرف الضعيف بدافع الخوف أو البقاء أو تقليل الأذى بإظهار الولاء للطرف القوي المستبد خشية من بطشه أو رغبة بكسب مصالح، لكن ذلك لا يدوم ولا يصمد طويلاً، وهذا ما يحكم العلاقة بين الكيان الإسرائيلي وحلفائه.

لا أعتقد أن هناك من يكنُّ أي احترام للكيان الغاصب في فلسطين، ولا أظن أن هناك من يتشرّف أن يرتبط اسمه باسم الكيان، لكن الإعلام والسياسة والأدوات القذرة قادرة على مونتاج المشهد وتحويل الصورة من الخوف إلى صورة الولاء.

إن حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع غير المسبوقة على الشعب العربي الفلسطيني في غزة لم تبق للإعلام والسياسة مجالاً للحفاظ على السردية الإسرائيلية الغربية، فلأول مرة يقف الإعلام الصهيوني العالمي والإدارة الصهيونية العالمية عاجزين عن إخفاء القُبح والقذارة العميقة لحقيقة هذا الكيان وطبيعته الاستعمارية الإمبريالية، فقد رأى العالم هذا الكيان المجرم لأول مرة بصورته الإجرامية الحقيقية رغم بقايا المكياج السياسي والإعلامي الصهيوني لهذا الكيان.

هذا كيان لا يستطيع أن يتعايش مع غيره، ولا يستطيع أن يعيش مع ذاته، فلو استحوذ على غزة والضفة الغربية والقدس واحتل فلسطين كاملة، سيبقى في حروب مستمرة مع دول الجوار لأسباب أيديولوجية قائمة على عقدة التفوق التي لا يختلف فيها اليمين عن اليسار.

الغارات الخاطفة التي يقوم بها هذا الكيان في داخل فلسطين وخارجها تكشف محاولات الكيان ترميم صورة جيشه المهزوم التي يريد تغييرها لتنسجم مع عقدة تفوقه، فهو يضرب الضفة الغربية، لفشله في غزة، وهو يجوّع سكان القطاع المدنيين بالكامل ويفجّر المدارس والمشفيات ويقتل الصحافيين وعمال الإغاثة وكلها أهداف محرّمة في الحروب، ناهيك عن الحروب تحت الاحتلال، تعويضاً عن فشله بإخراج الأسرى الصهاينة.

كما أن هذا الكيان المجرم يضرب في لبنان وفي سوريا، لفشله في تحقيق أهدافه المعلنة في الداخل الفلسطيني، محاولاً رفع معنويات «الجيش الأقوى في المنطقة»، واستعادة صورة الكيان القادر على حماية ورعاية مصالح الاستعمار الغربي في المنطقة العربية وأفريقيا انطلاقا من عقدة التفوق.

هناك جهل عميق للأسف لدى الكثير من دول وشعوب العالم بفكرة هذا الكيان ومستهدفاته وعلاقاته بالاستعمار الغربي وبكل الحركات العالمية الفاشية والنازية والمهددة للبشرية والأمن والسلم الدوليين.

كما أن هناك جهلاً عميقاً بعمق علاقات ونفوذ هذا الكيان ببعض العواصم والشركات والمدارس الفكرية، وجهلاً مركباً بالفكر الصهيوني وعمله الدؤوب والمستمر على إنتاج وتصدير الأزمات في الدول العربية والأفريقية والعالم.

على العالم أن يفهم -قبل فوات الأوان- أن الخطر الذي يمثله الكيان الغاصب في فلسطين لا يهدد فلسطين والدول العربية والأفريقية والعالم الإسلامي فقط، فعقدة التفوق لدى هذا الكيان ستجعل من أوروبا هدفاً يوماً ما لطموحات هذا الكيان وانتقامه منها.

على الأوروبيين أن يقلقوا من هذا الكيان، وعليهم ألا يركنوا إلى فكرة أن هذا الكيان سيبقى ممتناً للغرب على منحه فلسطين على حساب أهلها وسكانها الأصليين، وعليهم أن ينسوا أن هذا الكيان يقيم وزناً أو احتراماً لهم، بل إنهم ليسوا في مأمنٍ منه، بسبب عقدة التفوق لديه، وبسبب رغبة الانتقام من الأوروبيين، فهذا الكيان لن يتردد أن يفعل مع الأوروبيين، الذين طردوا مكوناته عشرات المرات عبر التاريخ، أفضع مما فعله مع أهل غزة بما في ذلك السلاح النووي، فهو كيان بلا أخلاق وبلا قيم وبلا إنسانية.

على العالم أن يستيقظ ويعيد هذا الكيان الغاصب لنقطة الصفر قبل أن يستفحل معه مرض وعقدة التفوق العنصري فيثأر من الأوروبيين إرضاءً لعقدة التفوق لديه، بدعم ربما وتمويل من الضفة الأخرى من الأطلسي.

الصراع الهندي الباكستاني وتركة المستعمر البريطاني

2025-05-06

شهدت العلاقات بين الهند وباكستان مؤخراً توتراً وتصعيداً خطيراً ينذر بمواجهة عسكرية بين الجارين النوويين على خلفية أزمة كشمير؛ التي نشأت بسبب تقسيم المستعمر البريطاني شبه القارة الهندية سنة 1947، بين الهند وباكستان على أساس ديني، وبقي الخلاف بين الطرفين حول كشمير ذات الغالبية المسلمة، لكن بسبب المهراجا (غير المسلم) الذي يحكم إقليم كشمير طلب انضمام كشمير إلى الهند.

هذه ليست المرة الأولى التي تتواجه بها الهند وباكستان. فقد نشبت بين البلدين حرب 1947- 1948 حول كشمير بعد انضمام مهراجا كشمير إلى الهند خلافاً لرغبة سكان كشمير وغالبيتهم من المسلمين، كما نشبت حرب 1965 حول كشمير كذلك، ثم نشبت حرب 1971 وهذه بسبب دعم الهند لحركة استقلال بنغلاديش أو ما كان يعرف باسم باكستان الشرقية، ثم حرب 1999، وبقيت الاشتباكات الحدودية مستمرة منذ سنة 2000 إلى الآن. لكن التوتر الحالي يكتسب خطورة مختلفة هذه المرة؛ بسبب وتيرة وحدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، الذي أجج الكثير من الخلافات في العالم.

الاستعمار البريطاني تسبب بالكثير من المآسي في مناطق العالم وخلّف الكثير من بؤر التوتر والصراعات داخل الدول وبين الدول بعضها ببعض، ومن هذه الصراعات: أزمة دولة فلسطين والناجم عن وعد بلفور البريطاني ودعم بريطانيا لهجرة الصهاينة ليحتلوا فلسطين والتسبب بتشريد ملايين من الشعب الفلسطيني حتى اليوم، كما تسبب الاستعمار البريطاني بتقسيم السودان إلى شمال السودان وجنوب السودان، الصراع في نيجيريا بين الشمال والجنوب، الصراع في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية، الحدود غير المستقرة بين بورما- مينمار، أفغانستان- باكستان، الأزمة القبرصية، بالإضافة لأزمة كشمير.

إن بقاء هذه الأزمات إلى الآن وتفجر بؤر الصراع التي خلفها المستعمر قصداً من حين لآخر، يعني بوضوح أن الاستعمار الغربي لا يزال يتحكم بمستعمراته السابقة ولا يزال يعوق تنميتها وينتهك سيادتها. بل إن المستعمر الغربي هو من يتحكم بالمؤسسات الدولية ويعوقها عن ممارسة دورها في حفظ السلام والأمن الدوليين، مثلما يفعله البريطانيون والأمريكيون في مجلس الأمن الدولي من حماية لمشروعهم الاستعماري الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية، وما ينطوي عليه هذا المشروع من حرب إبادة وتطهير عرقي وتهجير ضد السكان الأصليين في فلسطين والدول العربية ومنح أرض فلسطين للمرتزقة والعصابات الصهيونية المجرمة، إلى جانب ما قامت به الدول الاستعمارية الغربية من استغلال ونهب لموارد الدول التي وقع عليها الاستعمار.

لا بد من تشكيل تحالف يضم الدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني خاصة والاستعمار الغربي عموماً، والقيام بعمل منظم ومدروس ومستمر لملاحقة بريطانيا والدول الاستعمارية الغربية قانونياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً لإرغام هذه الدول على الاعتراف بكل الجرائم التي ارتكبوها ولا يزالون يرتكبونها بحق الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار وإرغامهم على دفع كامل التعويضات لكل الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والغربي.

يجب أن تدفع بريطانيا وفرنسا وغيرهما من المستعمرين الأوروبيين ثمن جرائمهم ضد شعوب ودول العالم الثالث، ولا بد أن يرتدعوا عن الاستمرار بممارسة دورهم الاستعماري الخفي تحت غطاء شركات نهب الموارد في الدول الأفريقية.

يشهد العالم اليوم تحولاً كبيراً في موازين القوى، ويشهد تراجعاً لقوة وهيمنة ونفوذ القطب الواحد، مقابل صعود قوى جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهذا يفتح الباب على الاقتصاص من المستعمرين الغربيين وقد يكون ظرفاً مؤاتياً لتأسيس منظمة عالمية تقوم على استعادة حقوق الدول والشعوب التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والفرنسي والغربي وتسبب بنهب موارد تلك الدول وتهجير سكانها وتدمير حضاراتها وتمزيق كياناتها على يد المستعمر البريطاني والغربي عموماً. يجب أن تنصاع بريطانيا والدول الغربية لمطالب الدول المتضررة منها عبر عقود من الزمن، ويجب أن تدفع الدول المستعمرة كامل التعويضات بالقانون وبالأدوات التي تخلص إليها المنظمة العالمية المنتظرة المناط بها ملاحقة المستعمرين للاعتراف بجرائم الاستعمار في فلسطين وفي كشمير وفي أفريقيا وفي كل مكان.

التعليقات ()

اضف تعليق