image
الاستاذ عبداللطيف الضويحي
باحث تنموي، خبير جوائز تنموية، و مستشار و كاتب رأي أسبوعي
الاستاذ عبداللطيف الضويحي

المدونة

الذكاء الاصطناعي وإعلان حالة طوارئ

يسري تأثير الذكاء الاصطناعي ويستشري في أوساط عدة تاركاً الناس في ترقب، لا فرق بين المجهول والمعلوم مثلما هي الدهشة بين المتفائلين والمتشائمين. فهل تعد ثورة الذكاء الاصطناعي امتداداً لما سبقها من ثورات في تاريخ التطور والاتصال والمحتوى الذي حملته الثورات الصناعية، أم أن الذكاء الاصطناعي يعد انقلاباً على كل ما سبق من ثورات صناعية؟ وهل يكون الذكاء الاصطناعي مكملاً لدور الإنسان أم منافساً له؟ ولماذا لا يكون في خدمة الإنسان والبشرية بدلا من أن يكون ضدها؟

هناك من يبحث عن موطئ قدم في عالم الذكاء الاصطناعي المنتظر والمرتقب وهناك من يعيد تموضعه تبعاً لذلك. وهناك من يطرح السؤال إثر السؤال حتى لم يعد يمضي أسبوع أو أسبوعان إلا ويعقد مؤتمراً أو ندوة هنا أو هناك تحتدم فيها النقاشات بين المتحدثين والحضور وأحياناً بين خبراء الذكاء الاصطناعي وخبراء آخرين في الذكاء الاصطناعي حول مخاطر الذكاء الاصطناعي ومخاطره مقابل الفرص التي يوفرها ويقدمها. فالمهنيون وغيرهم يعيشون ترقباً حيال مصير مهنهم وأعمالهم وتخصصاتهم في ظل تنامي ثورة الذكاء الاصطناعي والتي يراها كثيرون لا تزال في بدايتها وأن القادم سوف يحدث زلزالاً حقيقي المفاهيم.



لقد كانت ندوة «الذكاء الاصطناعي وسوق العمل السعودي» التي عقدها مركز الأمير عبدالرحمن السديري يوم السبت الماضي في مدينة الغاط، واحدة من أهم الندوات التي تحدث فيها عدد من الخبراء في الذكاء الاصطناعي عن الذكاء الاصطناعي وتأثيراته على تضييق فرص العمل مقابل ما يخلقه من فرص بديلة مختلفة لذات السوق. لكن المتفائلين من الخبراء المتحدثين في الندوة ربطوا تفاؤلهم بشروط لا بد من تحقيقها، حتى يتم تعويض ما خسرته السوق.

كان من أبرز الشروط التي تحدث عنها البعض لنجاحنا مع الذكاء الاصطناعي العمل الجاد والمستمر على إنتاج البيانات الوطنية لتغذية نهر الذكاء الاصطناعي الجارف، لكي لا نبقى مستهلكين لبيانات الغير من الدول والأمم، مما يشكّل تحدياً وجودياً للهوية والقيم والاقتصاد والثقافة الوطنية. فإذا لم تستطع أن تنتج وتعيد إنتاج بياناتك كدول ومؤسسات، فقد تجد تلك الدول والمؤسسات نفسها أمام هيمنة من نوع جديد.

كما يرى خبراء الذكاء الاصطناعي أهمية وضرورة تأهيل وتدريب وتطوير كوادر بشرية بأعداد كبيرة من الخبراء والأخصائيين في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنية ومجالات الاختراعات والابتكارات وكافة تطبيقات الذكاء الاصطناعي للاستفادة مما توفره من فرص تختصر الوقت والمكان والجهد والأموال الطائلة.

غير أن السرعة قد تكون العامل الحاسم والمهم للغاية من خلال الانخراط بسرعة وبقوة في إجراء الترتيبات الاستثنائية للتعامل مع تداعيات الذكاء الاصطناعي، فالمنافسة الخفية والمعلنة بين الشركات من جهة، وبين الدول من جهة أخرى على أشدها، وقد يكون حسم معركة الذكاء الاصطناعي كافياً في سبيل حسم نزاعات كبيرة أخرى في العالم.

كما كان واضحاً وجلياً يوم أمس في الملتقى العلمي الأول لمراكز البحوث الاجتماعية في المملكة العربية السعودية والذي نظمه المركز الوطني للدراسات والبحوث الاجتماعية بدعوة من المجلس التنسيقي لمراكز البحوث الاجتماعية، أهمية إنتاج البيانات الوطنية الأولية الحيوية من خلال هذا الملتقى وغيره، حيث كان هذا الملتقى نموذجاً لما يجب أن يكون عليه المحتوى المحلي وتناول كافة القضايا الوطنية وإنتاج وصناعة البيانات الأولية الحقيقية لتصب في نهر الذكاء الاصطناعي بدلاً من أن يترك هذا النهر فتتم تغذيته بمحتوى من مصادر تخدم مصالحها أو غير موثوقة.



إن الحاجة ماسة لعمل عربي مشترك لتنسيق الجهود والإمكانات في سبيل إنتاج بيانات عربية مشتركة ومحتوى عربي حيوي وقادر على المنافسة خاصة في القضايا العربية المصيرية. فالمؤسف حقاً أن هناك تفاوتاً كبيراً بين دولنا العربية فيما يتعلق بالتحول الرقمي والرقمنة والذكاء الاصطناعي.

فلعل المنظمة العربية للتنمية الإدارية تضع اللبنة الأساس لهذا العمل وهي تعقد المؤتمر العربي السادس في مجال الإعلام والذكاء الاصطناعي في شرم الشيخ. والتأسيس ربما لإنتاج بيانات ومحتوى ومعرفة عربية مشتركة خاصة ما يتعلق منها بالقضايا العربية المصيرية.

فهل أصبحت الحاجة ماسة لخطة طوارئ وحالة طوارئ للتعامل مع موجات الذكاء الاصطناعي المتوقعة، بحيث يتم تقليل مخاطرها وتعظيم الاستفادة منها والتي قد تصل ذروتها في ظل المنافسة بين بعض الشركات من ناحية وبين بعض الدول من ناحية أخرى، وكل ذلك يتم في ظل استقطابات حادة على وقع الحروب والتنافس بين أقطاب الاقتصاد.

إن حدة الصراعات المحتدمة قد تنهي كيانات وتؤسس إمبراطوريات نتيجة لتغير قواعد اللعبة، فالذكاء الاصطناعي حتى لو كان هدفه نبيلاً، إلا أن هناك دائماً مصالح يمكن أن تحركها الرغبة الأنانية والمصادر الكافية لخلط الأوراق وإلحاق الأذى بالآخرين.

مقالات ذات صلة

متى يتحرر العالم من عُقدة إسرائيل ؟

2025-05-20

التاريخ الحديث مليء بالدروس التي تقول إن إسرائيل فكرةٌ قامت في فلسطين على الإجرام والبطش والكذب والخداع، ولم تقم أبداً على الأخلاق والقانون والإنسانية والمشتركات البشرية. مثلما أن التاريخ البعيد والمتوسط يزخر بالحوادث والأحداث التي تؤكد أن هذا الكيان لا يمكنه التعايش مع شعوب ودول العالم شرقه وغربه.

في علم النفس الاجتماعي السياسي هناك فرق بين شعور الخوف وشعور الولاء والاحترام، لكن علم النفس الاجتماعي السياسي يعلمنا أن هناك حالات يتحول معها الخوف من القوي إلى حب وهمي واحترام مزيف وهو ما يعرف باسم علاقة التماهي مع المعتدي، حيث يقوم الطرف الضعيف بدافع الخوف أو البقاء أو تقليل الأذى بإظهار الولاء للطرف القوي المستبد خشية من بطشه أو رغبة بكسب مصالح، لكن ذلك لا يدوم ولا يصمد طويلاً، وهذا ما يحكم العلاقة بين الكيان الإسرائيلي وحلفائه.

لا أعتقد أن هناك من يكنُّ أي احترام للكيان الغاصب في فلسطين، ولا أظن أن هناك من يتشرّف أن يرتبط اسمه باسم الكيان، لكن الإعلام والسياسة والأدوات القذرة قادرة على مونتاج المشهد وتحويل الصورة من الخوف إلى صورة الولاء.

إن حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع غير المسبوقة على الشعب العربي الفلسطيني في غزة لم تبق للإعلام والسياسة مجالاً للحفاظ على السردية الإسرائيلية الغربية، فلأول مرة يقف الإعلام الصهيوني العالمي والإدارة الصهيونية العالمية عاجزين عن إخفاء القُبح والقذارة العميقة لحقيقة هذا الكيان وطبيعته الاستعمارية الإمبريالية، فقد رأى العالم هذا الكيان المجرم لأول مرة بصورته الإجرامية الحقيقية رغم بقايا المكياج السياسي والإعلامي الصهيوني لهذا الكيان.

هذا كيان لا يستطيع أن يتعايش مع غيره، ولا يستطيع أن يعيش مع ذاته، فلو استحوذ على غزة والضفة الغربية والقدس واحتل فلسطين كاملة، سيبقى في حروب مستمرة مع دول الجوار لأسباب أيديولوجية قائمة على عقدة التفوق التي لا يختلف فيها اليمين عن اليسار.

الغارات الخاطفة التي يقوم بها هذا الكيان في داخل فلسطين وخارجها تكشف محاولات الكيان ترميم صورة جيشه المهزوم التي يريد تغييرها لتنسجم مع عقدة تفوقه، فهو يضرب الضفة الغربية، لفشله في غزة، وهو يجوّع سكان القطاع المدنيين بالكامل ويفجّر المدارس والمشفيات ويقتل الصحافيين وعمال الإغاثة وكلها أهداف محرّمة في الحروب، ناهيك عن الحروب تحت الاحتلال، تعويضاً عن فشله بإخراج الأسرى الصهاينة.

كما أن هذا الكيان المجرم يضرب في لبنان وفي سوريا، لفشله في تحقيق أهدافه المعلنة في الداخل الفلسطيني، محاولاً رفع معنويات «الجيش الأقوى في المنطقة»، واستعادة صورة الكيان القادر على حماية ورعاية مصالح الاستعمار الغربي في المنطقة العربية وأفريقيا انطلاقا من عقدة التفوق.

هناك جهل عميق للأسف لدى الكثير من دول وشعوب العالم بفكرة هذا الكيان ومستهدفاته وعلاقاته بالاستعمار الغربي وبكل الحركات العالمية الفاشية والنازية والمهددة للبشرية والأمن والسلم الدوليين.

كما أن هناك جهلاً عميقاً بعمق علاقات ونفوذ هذا الكيان ببعض العواصم والشركات والمدارس الفكرية، وجهلاً مركباً بالفكر الصهيوني وعمله الدؤوب والمستمر على إنتاج وتصدير الأزمات في الدول العربية والأفريقية والعالم.

على العالم أن يفهم -قبل فوات الأوان- أن الخطر الذي يمثله الكيان الغاصب في فلسطين لا يهدد فلسطين والدول العربية والأفريقية والعالم الإسلامي فقط، فعقدة التفوق لدى هذا الكيان ستجعل من أوروبا هدفاً يوماً ما لطموحات هذا الكيان وانتقامه منها.

على الأوروبيين أن يقلقوا من هذا الكيان، وعليهم ألا يركنوا إلى فكرة أن هذا الكيان سيبقى ممتناً للغرب على منحه فلسطين على حساب أهلها وسكانها الأصليين، وعليهم أن ينسوا أن هذا الكيان يقيم وزناً أو احتراماً لهم، بل إنهم ليسوا في مأمنٍ منه، بسبب عقدة التفوق لديه، وبسبب رغبة الانتقام من الأوروبيين، فهذا الكيان لن يتردد أن يفعل مع الأوروبيين، الذين طردوا مكوناته عشرات المرات عبر التاريخ، أفضع مما فعله مع أهل غزة بما في ذلك السلاح النووي، فهو كيان بلا أخلاق وبلا قيم وبلا إنسانية.

على العالم أن يستيقظ ويعيد هذا الكيان الغاصب لنقطة الصفر قبل أن يستفحل معه مرض وعقدة التفوق العنصري فيثأر من الأوروبيين إرضاءً لعقدة التفوق لديه، بدعم ربما وتمويل من الضفة الأخرى من الأطلسي.

الصراع الهندي الباكستاني وتركة المستعمر البريطاني

2025-05-06

شهدت العلاقات بين الهند وباكستان مؤخراً توتراً وتصعيداً خطيراً ينذر بمواجهة عسكرية بين الجارين النوويين على خلفية أزمة كشمير؛ التي نشأت بسبب تقسيم المستعمر البريطاني شبه القارة الهندية سنة 1947، بين الهند وباكستان على أساس ديني، وبقي الخلاف بين الطرفين حول كشمير ذات الغالبية المسلمة، لكن بسبب المهراجا (غير المسلم) الذي يحكم إقليم كشمير طلب انضمام كشمير إلى الهند.

هذه ليست المرة الأولى التي تتواجه بها الهند وباكستان. فقد نشبت بين البلدين حرب 1947- 1948 حول كشمير بعد انضمام مهراجا كشمير إلى الهند خلافاً لرغبة سكان كشمير وغالبيتهم من المسلمين، كما نشبت حرب 1965 حول كشمير كذلك، ثم نشبت حرب 1971 وهذه بسبب دعم الهند لحركة استقلال بنغلاديش أو ما كان يعرف باسم باكستان الشرقية، ثم حرب 1999، وبقيت الاشتباكات الحدودية مستمرة منذ سنة 2000 إلى الآن. لكن التوتر الحالي يكتسب خطورة مختلفة هذه المرة؛ بسبب وتيرة وحدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، الذي أجج الكثير من الخلافات في العالم.

الاستعمار البريطاني تسبب بالكثير من المآسي في مناطق العالم وخلّف الكثير من بؤر التوتر والصراعات داخل الدول وبين الدول بعضها ببعض، ومن هذه الصراعات: أزمة دولة فلسطين والناجم عن وعد بلفور البريطاني ودعم بريطانيا لهجرة الصهاينة ليحتلوا فلسطين والتسبب بتشريد ملايين من الشعب الفلسطيني حتى اليوم، كما تسبب الاستعمار البريطاني بتقسيم السودان إلى شمال السودان وجنوب السودان، الصراع في نيجيريا بين الشمال والجنوب، الصراع في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية، الحدود غير المستقرة بين بورما- مينمار، أفغانستان- باكستان، الأزمة القبرصية، بالإضافة لأزمة كشمير.

إن بقاء هذه الأزمات إلى الآن وتفجر بؤر الصراع التي خلفها المستعمر قصداً من حين لآخر، يعني بوضوح أن الاستعمار الغربي لا يزال يتحكم بمستعمراته السابقة ولا يزال يعوق تنميتها وينتهك سيادتها. بل إن المستعمر الغربي هو من يتحكم بالمؤسسات الدولية ويعوقها عن ممارسة دورها في حفظ السلام والأمن الدوليين، مثلما يفعله البريطانيون والأمريكيون في مجلس الأمن الدولي من حماية لمشروعهم الاستعماري الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية، وما ينطوي عليه هذا المشروع من حرب إبادة وتطهير عرقي وتهجير ضد السكان الأصليين في فلسطين والدول العربية ومنح أرض فلسطين للمرتزقة والعصابات الصهيونية المجرمة، إلى جانب ما قامت به الدول الاستعمارية الغربية من استغلال ونهب لموارد الدول التي وقع عليها الاستعمار.

لا بد من تشكيل تحالف يضم الدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني خاصة والاستعمار الغربي عموماً، والقيام بعمل منظم ومدروس ومستمر لملاحقة بريطانيا والدول الاستعمارية الغربية قانونياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً لإرغام هذه الدول على الاعتراف بكل الجرائم التي ارتكبوها ولا يزالون يرتكبونها بحق الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار وإرغامهم على دفع كامل التعويضات لكل الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والغربي.

يجب أن تدفع بريطانيا وفرنسا وغيرهما من المستعمرين الأوروبيين ثمن جرائمهم ضد شعوب ودول العالم الثالث، ولا بد أن يرتدعوا عن الاستمرار بممارسة دورهم الاستعماري الخفي تحت غطاء شركات نهب الموارد في الدول الأفريقية.

يشهد العالم اليوم تحولاً كبيراً في موازين القوى، ويشهد تراجعاً لقوة وهيمنة ونفوذ القطب الواحد، مقابل صعود قوى جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهذا يفتح الباب على الاقتصاص من المستعمرين الغربيين وقد يكون ظرفاً مؤاتياً لتأسيس منظمة عالمية تقوم على استعادة حقوق الدول والشعوب التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والفرنسي والغربي وتسبب بنهب موارد تلك الدول وتهجير سكانها وتدمير حضاراتها وتمزيق كياناتها على يد المستعمر البريطاني والغربي عموماً. يجب أن تنصاع بريطانيا والدول الغربية لمطالب الدول المتضررة منها عبر عقود من الزمن، ويجب أن تدفع الدول المستعمرة كامل التعويضات بالقانون وبالأدوات التي تخلص إليها المنظمة العالمية المنتظرة المناط بها ملاحقة المستعمرين للاعتراف بجرائم الاستعمار في فلسطين وفي كشمير وفي أفريقيا وفي كل مكان.

التعليقات ()

اضف تعليق