image
الاستاذ عبداللطيف الضويحي
باحث تنموي، خبير جوائز تنموية، و مستشار و كاتب رأي أسبوعي
الاستاذ عبداللطيف الضويحي

المدونة

أزمة نقل ركاب الجوف.. !

يقودك التفكير والاستغراق في البحث عن حلٍّ لمعضلة تواجهها إلى العثور على حلقة مفقودة بين أطراف المعادلة؛ بسبب الإدارة أو سوء الإدارة، حيث إن المسافة متقاربة بين فعل الإدارة وسوء الإدارة في كثير من الأحيان.

هناك حلقة مفقودة بين قطار الشمال (سار) بمستهدفاته وإستراتيجيته من جانب وبين شركات الطيران المحلي إلى مدن شمال المملكة؛ خاصة منطقة الجوف. هناك فجوة كبيرة ومتنامية بين الاحتياج لزيادة وتكثيف رحلات قطار الشمال ورحلات شركات الطيران. ومع ذلك، قررت شركات الطيران ذات الأسعار الاقتصادية الانسحاب من محطة الجوف فجأة ومتزامنةً، مخلِّفةً وراءها محطة الجوف لتنفرد بها الخطوط السعودية التي فرضت أسعاراً عالية، فلا أحد يعرف لتلك الأسعار مرجعية، وقد تكون بعيدة تماماً عن رقابة الأسعار وأنظار الجهات الرقابية؟



فهل الخطوط السعودية تتحمل مسؤولية ما يحدث أم أنّ من يتحمل أزمة نقل الركاب في محطة الجوف شركة ناس وشركة أديل، اللتان قررتا معاً وتزامنياً وفجأةً الانسحاب من محطة الجوف ومن سوق الجوف وربما من محطات أخرى، رغم علم الشركتين بما يترتب على قراراتهما المفاجئة من فجوة وفوضى وارتفاع أسعار.



ومن خلال تتبع الحلقات المفقودة التي تقف وراء أزمة نقل الركاب في محطة الجوف، نكتشف أن هناك محطة من محطات قطار الشمال (سار) في منطقة الجوف لكنها عديمة الفائدة وعديمة الجدوى، ولا نعرف إن كان ذلك ناتجاً عن مشكلة إدارية أم نتيجة مشكلة أخرى.

فلا أحد يستطيع أن يجد تفسيراً للغز المحير الذي تتكتم عليه سكة الحديد السعودية وقطار الشمال؛ وهو الإصرار على الاكتفاء بتسيير رحلة أسبوعية واحدة يتيمة إلى الجوف والقريات حتى بعد انسحاب شركات الطيران من محطة الجوف، فما هي مستهدفات قطار الشمال؟ إذا كان الهدف من قطار الشمال (سار) هو نقل الركاب بين مناطق المملكة، فما الذي يستفيده الركاب من رحلة يتيمة واحدة في الأسبوع إلى منطقة الجوف؟ وما هو العائد على رجل الأعمال أو المريض أو الزائر في المناسبات أو السائح من السفر في رحلة القطار التي لا تتوفر إلا مرة واحدة في الأسبوع؟ ولماذا لا يستطيع الراكب أن يسافر ويعود خلال يوم أو يومين من الشمال و إليه؟ أما إذا كان الهدف من قطار الشمال اقتصادياً، فما هي العبقرية الاقتصادية التي تكتفي بتسيير رحلة أسبوعية واحدة منذ سنوات على انطلاقة هذا الخط، رغم حجم سوق نقل الركاب خاصة بعد انسحاب شركات الطيران وبقاء شركة واحدة. فلماذا يظل قطار الشمال حاضراً غائباً، ولمصلحة من تبقى محطة قطار الجوف في قلب صحراء النفود بعيدة عن كل المدن؟ ومن المستفيد من إبعاد محطة الجوف عن أي مدينة وأي قرية من مدن الجوف وقراها؟ أتمنى أن بحث الأسباب في خلفية تأسيس محطة قطار الجوف في بطن الصحراء بعيداً عن أي مدينة من المدن الشمالية، مما يضطر المسافرون للسفر بالسيارة إلى تلك المحطة النائية؟

ومع استمرار تتبع الحلقة المفقودة في أزمة نقل الركاب في الشمال، لا بد أن يستوقفك حجم غياب التنسيق ربما بين النقل الجوي للركاب ونقل الركاب عبر قطار الشمال (سار). وغياب ربما دور تنسيقي واضح وملموس بين هيئة الطيران المدني والخطوط الحديدية، وإلا ما معنى هذه الفجوات بين شركات الطيران، وما معنى غياب التنسيق بين السكك الحديدية السعودية وهيئة الطيران المدني. فهل العلاقة بين شركات الطيران تنافسية أم تكاملية؟ وهل العلاقة بين الرحلات الجوية والرحلات عبر القطارات هي علاقة تنافسية أم تكاملية؟ ومتى تكون تنافسية ومتى تكون تكاملية؟ ولماذا تغيب وزارة النقل والخدمات اللوجستية عن حل هذا اللغز إذا كانت الإشكالية بين هيئة الطيران وسكة الحديد السعودية؟ وأخيراً، لماذا يتجاهل الإعلام في هيئة الطيران المدني والإعلام في قطار سار التعامل مع الإعلام بشفافية ووضوح؟


مقالات ذات صلة

متى يتحرر العالم من عُقدة إسرائيل ؟

2025-05-20

التاريخ الحديث مليء بالدروس التي تقول إن إسرائيل فكرةٌ قامت في فلسطين على الإجرام والبطش والكذب والخداع، ولم تقم أبداً على الأخلاق والقانون والإنسانية والمشتركات البشرية. مثلما أن التاريخ البعيد والمتوسط يزخر بالحوادث والأحداث التي تؤكد أن هذا الكيان لا يمكنه التعايش مع شعوب ودول العالم شرقه وغربه.

في علم النفس الاجتماعي السياسي هناك فرق بين شعور الخوف وشعور الولاء والاحترام، لكن علم النفس الاجتماعي السياسي يعلمنا أن هناك حالات يتحول معها الخوف من القوي إلى حب وهمي واحترام مزيف وهو ما يعرف باسم علاقة التماهي مع المعتدي، حيث يقوم الطرف الضعيف بدافع الخوف أو البقاء أو تقليل الأذى بإظهار الولاء للطرف القوي المستبد خشية من بطشه أو رغبة بكسب مصالح، لكن ذلك لا يدوم ولا يصمد طويلاً، وهذا ما يحكم العلاقة بين الكيان الإسرائيلي وحلفائه.

لا أعتقد أن هناك من يكنُّ أي احترام للكيان الغاصب في فلسطين، ولا أظن أن هناك من يتشرّف أن يرتبط اسمه باسم الكيان، لكن الإعلام والسياسة والأدوات القذرة قادرة على مونتاج المشهد وتحويل الصورة من الخوف إلى صورة الولاء.

إن حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع غير المسبوقة على الشعب العربي الفلسطيني في غزة لم تبق للإعلام والسياسة مجالاً للحفاظ على السردية الإسرائيلية الغربية، فلأول مرة يقف الإعلام الصهيوني العالمي والإدارة الصهيونية العالمية عاجزين عن إخفاء القُبح والقذارة العميقة لحقيقة هذا الكيان وطبيعته الاستعمارية الإمبريالية، فقد رأى العالم هذا الكيان المجرم لأول مرة بصورته الإجرامية الحقيقية رغم بقايا المكياج السياسي والإعلامي الصهيوني لهذا الكيان.

هذا كيان لا يستطيع أن يتعايش مع غيره، ولا يستطيع أن يعيش مع ذاته، فلو استحوذ على غزة والضفة الغربية والقدس واحتل فلسطين كاملة، سيبقى في حروب مستمرة مع دول الجوار لأسباب أيديولوجية قائمة على عقدة التفوق التي لا يختلف فيها اليمين عن اليسار.

الغارات الخاطفة التي يقوم بها هذا الكيان في داخل فلسطين وخارجها تكشف محاولات الكيان ترميم صورة جيشه المهزوم التي يريد تغييرها لتنسجم مع عقدة تفوقه، فهو يضرب الضفة الغربية، لفشله في غزة، وهو يجوّع سكان القطاع المدنيين بالكامل ويفجّر المدارس والمشفيات ويقتل الصحافيين وعمال الإغاثة وكلها أهداف محرّمة في الحروب، ناهيك عن الحروب تحت الاحتلال، تعويضاً عن فشله بإخراج الأسرى الصهاينة.

كما أن هذا الكيان المجرم يضرب في لبنان وفي سوريا، لفشله في تحقيق أهدافه المعلنة في الداخل الفلسطيني، محاولاً رفع معنويات «الجيش الأقوى في المنطقة»، واستعادة صورة الكيان القادر على حماية ورعاية مصالح الاستعمار الغربي في المنطقة العربية وأفريقيا انطلاقا من عقدة التفوق.

هناك جهل عميق للأسف لدى الكثير من دول وشعوب العالم بفكرة هذا الكيان ومستهدفاته وعلاقاته بالاستعمار الغربي وبكل الحركات العالمية الفاشية والنازية والمهددة للبشرية والأمن والسلم الدوليين.

كما أن هناك جهلاً عميقاً بعمق علاقات ونفوذ هذا الكيان ببعض العواصم والشركات والمدارس الفكرية، وجهلاً مركباً بالفكر الصهيوني وعمله الدؤوب والمستمر على إنتاج وتصدير الأزمات في الدول العربية والأفريقية والعالم.

على العالم أن يفهم -قبل فوات الأوان- أن الخطر الذي يمثله الكيان الغاصب في فلسطين لا يهدد فلسطين والدول العربية والأفريقية والعالم الإسلامي فقط، فعقدة التفوق لدى هذا الكيان ستجعل من أوروبا هدفاً يوماً ما لطموحات هذا الكيان وانتقامه منها.

على الأوروبيين أن يقلقوا من هذا الكيان، وعليهم ألا يركنوا إلى فكرة أن هذا الكيان سيبقى ممتناً للغرب على منحه فلسطين على حساب أهلها وسكانها الأصليين، وعليهم أن ينسوا أن هذا الكيان يقيم وزناً أو احتراماً لهم، بل إنهم ليسوا في مأمنٍ منه، بسبب عقدة التفوق لديه، وبسبب رغبة الانتقام من الأوروبيين، فهذا الكيان لن يتردد أن يفعل مع الأوروبيين، الذين طردوا مكوناته عشرات المرات عبر التاريخ، أفضع مما فعله مع أهل غزة بما في ذلك السلاح النووي، فهو كيان بلا أخلاق وبلا قيم وبلا إنسانية.

على العالم أن يستيقظ ويعيد هذا الكيان الغاصب لنقطة الصفر قبل أن يستفحل معه مرض وعقدة التفوق العنصري فيثأر من الأوروبيين إرضاءً لعقدة التفوق لديه، بدعم ربما وتمويل من الضفة الأخرى من الأطلسي.

الصراع الهندي الباكستاني وتركة المستعمر البريطاني

2025-05-06

شهدت العلاقات بين الهند وباكستان مؤخراً توتراً وتصعيداً خطيراً ينذر بمواجهة عسكرية بين الجارين النوويين على خلفية أزمة كشمير؛ التي نشأت بسبب تقسيم المستعمر البريطاني شبه القارة الهندية سنة 1947، بين الهند وباكستان على أساس ديني، وبقي الخلاف بين الطرفين حول كشمير ذات الغالبية المسلمة، لكن بسبب المهراجا (غير المسلم) الذي يحكم إقليم كشمير طلب انضمام كشمير إلى الهند.

هذه ليست المرة الأولى التي تتواجه بها الهند وباكستان. فقد نشبت بين البلدين حرب 1947- 1948 حول كشمير بعد انضمام مهراجا كشمير إلى الهند خلافاً لرغبة سكان كشمير وغالبيتهم من المسلمين، كما نشبت حرب 1965 حول كشمير كذلك، ثم نشبت حرب 1971 وهذه بسبب دعم الهند لحركة استقلال بنغلاديش أو ما كان يعرف باسم باكستان الشرقية، ثم حرب 1999، وبقيت الاشتباكات الحدودية مستمرة منذ سنة 2000 إلى الآن. لكن التوتر الحالي يكتسب خطورة مختلفة هذه المرة؛ بسبب وتيرة وحدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، الذي أجج الكثير من الخلافات في العالم.

الاستعمار البريطاني تسبب بالكثير من المآسي في مناطق العالم وخلّف الكثير من بؤر التوتر والصراعات داخل الدول وبين الدول بعضها ببعض، ومن هذه الصراعات: أزمة دولة فلسطين والناجم عن وعد بلفور البريطاني ودعم بريطانيا لهجرة الصهاينة ليحتلوا فلسطين والتسبب بتشريد ملايين من الشعب الفلسطيني حتى اليوم، كما تسبب الاستعمار البريطاني بتقسيم السودان إلى شمال السودان وجنوب السودان، الصراع في نيجيريا بين الشمال والجنوب، الصراع في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية، الحدود غير المستقرة بين بورما- مينمار، أفغانستان- باكستان، الأزمة القبرصية، بالإضافة لأزمة كشمير.

إن بقاء هذه الأزمات إلى الآن وتفجر بؤر الصراع التي خلفها المستعمر قصداً من حين لآخر، يعني بوضوح أن الاستعمار الغربي لا يزال يتحكم بمستعمراته السابقة ولا يزال يعوق تنميتها وينتهك سيادتها. بل إن المستعمر الغربي هو من يتحكم بالمؤسسات الدولية ويعوقها عن ممارسة دورها في حفظ السلام والأمن الدوليين، مثلما يفعله البريطانيون والأمريكيون في مجلس الأمن الدولي من حماية لمشروعهم الاستعماري الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية، وما ينطوي عليه هذا المشروع من حرب إبادة وتطهير عرقي وتهجير ضد السكان الأصليين في فلسطين والدول العربية ومنح أرض فلسطين للمرتزقة والعصابات الصهيونية المجرمة، إلى جانب ما قامت به الدول الاستعمارية الغربية من استغلال ونهب لموارد الدول التي وقع عليها الاستعمار.

لا بد من تشكيل تحالف يضم الدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني خاصة والاستعمار الغربي عموماً، والقيام بعمل منظم ومدروس ومستمر لملاحقة بريطانيا والدول الاستعمارية الغربية قانونياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً لإرغام هذه الدول على الاعتراف بكل الجرائم التي ارتكبوها ولا يزالون يرتكبونها بحق الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار وإرغامهم على دفع كامل التعويضات لكل الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والغربي.

يجب أن تدفع بريطانيا وفرنسا وغيرهما من المستعمرين الأوروبيين ثمن جرائمهم ضد شعوب ودول العالم الثالث، ولا بد أن يرتدعوا عن الاستمرار بممارسة دورهم الاستعماري الخفي تحت غطاء شركات نهب الموارد في الدول الأفريقية.

يشهد العالم اليوم تحولاً كبيراً في موازين القوى، ويشهد تراجعاً لقوة وهيمنة ونفوذ القطب الواحد، مقابل صعود قوى جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهذا يفتح الباب على الاقتصاص من المستعمرين الغربيين وقد يكون ظرفاً مؤاتياً لتأسيس منظمة عالمية تقوم على استعادة حقوق الدول والشعوب التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والفرنسي والغربي وتسبب بنهب موارد تلك الدول وتهجير سكانها وتدمير حضاراتها وتمزيق كياناتها على يد المستعمر البريطاني والغربي عموماً. يجب أن تنصاع بريطانيا والدول الغربية لمطالب الدول المتضررة منها عبر عقود من الزمن، ويجب أن تدفع الدول المستعمرة كامل التعويضات بالقانون وبالأدوات التي تخلص إليها المنظمة العالمية المنتظرة المناط بها ملاحقة المستعمرين للاعتراف بجرائم الاستعمار في فلسطين وفي كشمير وفي أفريقيا وفي كل مكان.

التعليقات ()

اضف تعليق