image
الاستاذ عبداللطيف الضويحي
باحث تنموي، خبير جوائز تنموية، و مستشار و كاتب رأي أسبوعي
الاستاذ عبداللطيف الضويحي

المدونة

اليوم الوطني السعودي.. تسبيح التغيير وابتهالات الثوابت..!

حيثما يكون الإنسان، تكون القيم والمصالح وإعمار الأرض، وبسط الأمن، عندئذ يتقاطع المكان والزمان، ويتصاهر التاريخ والجغرافيا، وحينئذ تولد الأوطان وتتشكّل -رأسياً وأفقياً- بالإيمان والإدارة والأمن والتنمية والعدل.

تحتفل الدول والشعوب بيومها الوطني، تعبيراً عن انتمائها وتكريساً لوحدتها، ليس من باب الوجاهة فحسب، لكنه تأكيد على عمق الشراكة الممتدة بين الوطن والمواطن وتأصيل لكل المشتركات بينهما. فالعدالة والمساواة نقيض الفوضى وغياب القانون، من هنا تستمد المُواطَنة أصالتها واستدامتها وعمق ارتباطها وترابطها بكافة الأطر القيمية والقانونية والمؤسساتية ومن هنا تتجلى هذه الروابط وهذا الانتماء.



يتعرض مفهوم المواطنة للكثير من الاختبارات كلما قفزت إلى الواجهة -في كثير من الدول- تحديات المفاهيم القديمة بعناوينها الجديدة خاصة في منطقتنا العربية، من خلال إعادة إنتاج انتماءات قديمة متجددة، بعد أن ظن البعض أنها قد انقرضت أو توارت إلى زوايا بعيدة نتيجة لاتساع رقعة التعليم وارتفاع الوعي، فضلاً عما أفرزته ابتكارات التقنية الحديثة وما نتج عنها من تقليص للمسافات والفجوات الحضارية والجغرافية والتاريخية بين الدول والشعوب، الأمر الذي تسبب بإحياء ولاءات وانتماءات بعضها قديم جداً وبعضها يتم تصنيعه وإنتاجه من وراء البحار أو خلاف الحدود ليضرب الوحدة الوطنية وينتقص مفهوم الوطن والمُواطَنة ويمس بالهوية الوطنية. تلك الظواهر عادت إلى الواجهة تغذيها إما المصالح الضيقة أو التأثيرات الإقليمية والدولية العابرة والجارفة في بعض الأحيان.

إن المُواطنة لا تلغي الانتماء للعشيرة أو القبيلة والمنطقة والمذهب والطائفة، لكن المواطنة الحقّة هي التي تضع الانتماء للوطن فوق كل انتماء؛ لأن مظلة الوطن أوسع وأشمل وهي الضمانة في تحقيق المساواة وترسخ مبادئ السلم الأهلي والعيش المشترك والأمن للجميع والتعليم والصحة والعمل والمسكن للجميع على قدم المساواة. فالأدوات والوسائل التي تعاقب المسيء والفاسد والظالم والمزور والمجرم هي ذات الأدوات التي تكرّم وتكافئ وتُعلي شأن المبتكر والمخترع والمتفاني في عمله ووقته وجهده.

لا أحد يستطيع أن يلغي الانتماءات للقبائل والعرقيات والمناطق وليس مطلوباً ذلك، لكن على الدولة –أي دولة– ألا تسمح لهذه الانتماءات أن تتورم وتنتفخ بما يفوق ويتجاوز حجم الوطن وقيمته وألا تقدم نفسها بديلاً عن الانتماء للوطن كمظلة أشمل وأعمق وأحدث لكل تلك الانتماءات، وهذا في الحقيقة هو ما يحصن الجبهة الداخلية للأوطان، ويسد كل الثغرات التي من الممكن أن يستغلها المتربصون من الليبرالية الجديدة والرأسمالية المدلجة.

اليوم تأتي مناسبة اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية 94 وهي أكثر أمناً واستقراراً وحضوراً وتأثيراً في كافة المحافل الدولية، وهذا لم يتأت إلا بفضل النهج المعتدل الذي تتبناه قيادة هذه البلاد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، ومن سبقوهما منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه.

من عوامل استقرار المملكة ونجاح تجربتها التوأمة في هويتها بين العربية الإسلامية ولما لهذا الترابط من بعد تاريخي وجغرافي على هذه الأرض المباركة في رسم هوية المملكة والحفاظ على الخط الذي اختطته قيادة هذه البلاد عبر التاريخ، منذ تأسيسه وما تحقق من إنجازات متعددة ومتنوعة على الصعيد المحلي والدولي، فكان ذلك ترجمة لما نشهده من تلاحم بين القيادة والشعب والذي يتجلى مع الاحتفال باليوم الوطني من كل عام.

لكن المملكة ما جعلها رقماً مهماً في المعادلة الإقليمية والدولية في السنوات الأخيرة، هو حجم التحديات وكمية الاختبارات التي اجتازتها بثقة وثبات. وأهم تلك الاختبارات التي نجحت بها السعودية عبورها الحجم الكبير من التغييرات الكمية والتحولات النوعية مع شعبها ومؤسساتها ومجتمعاتها في ضوء ما رسمته مستهدفات رؤية المملكة 2030 مع حفاظها على ثوابتها ومرتكزاتها القيمية والأخلاقية والثقافية إلى حد كبير.

إن الأرقام التي حققتها ولا تزال تحققها المملكة إلى اليوم في شتى القطاعات وعلى مختلف الصعد، أصبحت مرجعاً مهماً لنضج التجربة وما كانت لتتحقق لولا الفكر المستنير والعمل الدؤوب والمتابعة التي يقودها عرّاب الرؤية سمو الأمير محمد بن سلمان وفريقه المدرب والمحترف والمتنوع دون كلل أو ملل ويعكس ما وصل له شعب المملكة من وعي ومعرفة وتجربة ومسؤولية فريدة وأعتقد أنها ستكون قريباً مرجعاً دولياً للكثير من الممارسات.

أخيراً، إنما الوطن ملاذات المشاعر والأفكار وحضن الطموحات والتطلعات حين ترحل أمهاتنا وآباؤنا قبل أن يشاركونا تحقيق طموحاتهم، إنه ذلك الكتف الذي نلقي عليه رؤوسنا المتعبة، لنبوح له بأحلامنا التي لم نتمكن من تحقيقها فنقلناها لأولادنا ليكملوا البناء. إنه الوطن الذي يدخل من نوافذ الطائرة عندما نغادره وحين نعود إليه. إنه الوطن حين يوقظنا من نومنا كلما شعرنا بألم أو أمل.

مقالات ذات صلة

متى يتحرر العالم من عُقدة إسرائيل ؟

2025-05-20

التاريخ الحديث مليء بالدروس التي تقول إن إسرائيل فكرةٌ قامت في فلسطين على الإجرام والبطش والكذب والخداع، ولم تقم أبداً على الأخلاق والقانون والإنسانية والمشتركات البشرية. مثلما أن التاريخ البعيد والمتوسط يزخر بالحوادث والأحداث التي تؤكد أن هذا الكيان لا يمكنه التعايش مع شعوب ودول العالم شرقه وغربه.

في علم النفس الاجتماعي السياسي هناك فرق بين شعور الخوف وشعور الولاء والاحترام، لكن علم النفس الاجتماعي السياسي يعلمنا أن هناك حالات يتحول معها الخوف من القوي إلى حب وهمي واحترام مزيف وهو ما يعرف باسم علاقة التماهي مع المعتدي، حيث يقوم الطرف الضعيف بدافع الخوف أو البقاء أو تقليل الأذى بإظهار الولاء للطرف القوي المستبد خشية من بطشه أو رغبة بكسب مصالح، لكن ذلك لا يدوم ولا يصمد طويلاً، وهذا ما يحكم العلاقة بين الكيان الإسرائيلي وحلفائه.

لا أعتقد أن هناك من يكنُّ أي احترام للكيان الغاصب في فلسطين، ولا أظن أن هناك من يتشرّف أن يرتبط اسمه باسم الكيان، لكن الإعلام والسياسة والأدوات القذرة قادرة على مونتاج المشهد وتحويل الصورة من الخوف إلى صورة الولاء.

إن حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع غير المسبوقة على الشعب العربي الفلسطيني في غزة لم تبق للإعلام والسياسة مجالاً للحفاظ على السردية الإسرائيلية الغربية، فلأول مرة يقف الإعلام الصهيوني العالمي والإدارة الصهيونية العالمية عاجزين عن إخفاء القُبح والقذارة العميقة لحقيقة هذا الكيان وطبيعته الاستعمارية الإمبريالية، فقد رأى العالم هذا الكيان المجرم لأول مرة بصورته الإجرامية الحقيقية رغم بقايا المكياج السياسي والإعلامي الصهيوني لهذا الكيان.

هذا كيان لا يستطيع أن يتعايش مع غيره، ولا يستطيع أن يعيش مع ذاته، فلو استحوذ على غزة والضفة الغربية والقدس واحتل فلسطين كاملة، سيبقى في حروب مستمرة مع دول الجوار لأسباب أيديولوجية قائمة على عقدة التفوق التي لا يختلف فيها اليمين عن اليسار.

الغارات الخاطفة التي يقوم بها هذا الكيان في داخل فلسطين وخارجها تكشف محاولات الكيان ترميم صورة جيشه المهزوم التي يريد تغييرها لتنسجم مع عقدة تفوقه، فهو يضرب الضفة الغربية، لفشله في غزة، وهو يجوّع سكان القطاع المدنيين بالكامل ويفجّر المدارس والمشفيات ويقتل الصحافيين وعمال الإغاثة وكلها أهداف محرّمة في الحروب، ناهيك عن الحروب تحت الاحتلال، تعويضاً عن فشله بإخراج الأسرى الصهاينة.

كما أن هذا الكيان المجرم يضرب في لبنان وفي سوريا، لفشله في تحقيق أهدافه المعلنة في الداخل الفلسطيني، محاولاً رفع معنويات «الجيش الأقوى في المنطقة»، واستعادة صورة الكيان القادر على حماية ورعاية مصالح الاستعمار الغربي في المنطقة العربية وأفريقيا انطلاقا من عقدة التفوق.

هناك جهل عميق للأسف لدى الكثير من دول وشعوب العالم بفكرة هذا الكيان ومستهدفاته وعلاقاته بالاستعمار الغربي وبكل الحركات العالمية الفاشية والنازية والمهددة للبشرية والأمن والسلم الدوليين.

كما أن هناك جهلاً عميقاً بعمق علاقات ونفوذ هذا الكيان ببعض العواصم والشركات والمدارس الفكرية، وجهلاً مركباً بالفكر الصهيوني وعمله الدؤوب والمستمر على إنتاج وتصدير الأزمات في الدول العربية والأفريقية والعالم.

على العالم أن يفهم -قبل فوات الأوان- أن الخطر الذي يمثله الكيان الغاصب في فلسطين لا يهدد فلسطين والدول العربية والأفريقية والعالم الإسلامي فقط، فعقدة التفوق لدى هذا الكيان ستجعل من أوروبا هدفاً يوماً ما لطموحات هذا الكيان وانتقامه منها.

على الأوروبيين أن يقلقوا من هذا الكيان، وعليهم ألا يركنوا إلى فكرة أن هذا الكيان سيبقى ممتناً للغرب على منحه فلسطين على حساب أهلها وسكانها الأصليين، وعليهم أن ينسوا أن هذا الكيان يقيم وزناً أو احتراماً لهم، بل إنهم ليسوا في مأمنٍ منه، بسبب عقدة التفوق لديه، وبسبب رغبة الانتقام من الأوروبيين، فهذا الكيان لن يتردد أن يفعل مع الأوروبيين، الذين طردوا مكوناته عشرات المرات عبر التاريخ، أفضع مما فعله مع أهل غزة بما في ذلك السلاح النووي، فهو كيان بلا أخلاق وبلا قيم وبلا إنسانية.

على العالم أن يستيقظ ويعيد هذا الكيان الغاصب لنقطة الصفر قبل أن يستفحل معه مرض وعقدة التفوق العنصري فيثأر من الأوروبيين إرضاءً لعقدة التفوق لديه، بدعم ربما وتمويل من الضفة الأخرى من الأطلسي.

الصراع الهندي الباكستاني وتركة المستعمر البريطاني

2025-05-06

شهدت العلاقات بين الهند وباكستان مؤخراً توتراً وتصعيداً خطيراً ينذر بمواجهة عسكرية بين الجارين النوويين على خلفية أزمة كشمير؛ التي نشأت بسبب تقسيم المستعمر البريطاني شبه القارة الهندية سنة 1947، بين الهند وباكستان على أساس ديني، وبقي الخلاف بين الطرفين حول كشمير ذات الغالبية المسلمة، لكن بسبب المهراجا (غير المسلم) الذي يحكم إقليم كشمير طلب انضمام كشمير إلى الهند.

هذه ليست المرة الأولى التي تتواجه بها الهند وباكستان. فقد نشبت بين البلدين حرب 1947- 1948 حول كشمير بعد انضمام مهراجا كشمير إلى الهند خلافاً لرغبة سكان كشمير وغالبيتهم من المسلمين، كما نشبت حرب 1965 حول كشمير كذلك، ثم نشبت حرب 1971 وهذه بسبب دعم الهند لحركة استقلال بنغلاديش أو ما كان يعرف باسم باكستان الشرقية، ثم حرب 1999، وبقيت الاشتباكات الحدودية مستمرة منذ سنة 2000 إلى الآن. لكن التوتر الحالي يكتسب خطورة مختلفة هذه المرة؛ بسبب وتيرة وحدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، الذي أجج الكثير من الخلافات في العالم.

الاستعمار البريطاني تسبب بالكثير من المآسي في مناطق العالم وخلّف الكثير من بؤر التوتر والصراعات داخل الدول وبين الدول بعضها ببعض، ومن هذه الصراعات: أزمة دولة فلسطين والناجم عن وعد بلفور البريطاني ودعم بريطانيا لهجرة الصهاينة ليحتلوا فلسطين والتسبب بتشريد ملايين من الشعب الفلسطيني حتى اليوم، كما تسبب الاستعمار البريطاني بتقسيم السودان إلى شمال السودان وجنوب السودان، الصراع في نيجيريا بين الشمال والجنوب، الصراع في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية، الحدود غير المستقرة بين بورما- مينمار، أفغانستان- باكستان، الأزمة القبرصية، بالإضافة لأزمة كشمير.

إن بقاء هذه الأزمات إلى الآن وتفجر بؤر الصراع التي خلفها المستعمر قصداً من حين لآخر، يعني بوضوح أن الاستعمار الغربي لا يزال يتحكم بمستعمراته السابقة ولا يزال يعوق تنميتها وينتهك سيادتها. بل إن المستعمر الغربي هو من يتحكم بالمؤسسات الدولية ويعوقها عن ممارسة دورها في حفظ السلام والأمن الدوليين، مثلما يفعله البريطانيون والأمريكيون في مجلس الأمن الدولي من حماية لمشروعهم الاستعماري الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية، وما ينطوي عليه هذا المشروع من حرب إبادة وتطهير عرقي وتهجير ضد السكان الأصليين في فلسطين والدول العربية ومنح أرض فلسطين للمرتزقة والعصابات الصهيونية المجرمة، إلى جانب ما قامت به الدول الاستعمارية الغربية من استغلال ونهب لموارد الدول التي وقع عليها الاستعمار.

لا بد من تشكيل تحالف يضم الدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني خاصة والاستعمار الغربي عموماً، والقيام بعمل منظم ومدروس ومستمر لملاحقة بريطانيا والدول الاستعمارية الغربية قانونياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً لإرغام هذه الدول على الاعتراف بكل الجرائم التي ارتكبوها ولا يزالون يرتكبونها بحق الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار وإرغامهم على دفع كامل التعويضات لكل الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والغربي.

يجب أن تدفع بريطانيا وفرنسا وغيرهما من المستعمرين الأوروبيين ثمن جرائمهم ضد شعوب ودول العالم الثالث، ولا بد أن يرتدعوا عن الاستمرار بممارسة دورهم الاستعماري الخفي تحت غطاء شركات نهب الموارد في الدول الأفريقية.

يشهد العالم اليوم تحولاً كبيراً في موازين القوى، ويشهد تراجعاً لقوة وهيمنة ونفوذ القطب الواحد، مقابل صعود قوى جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهذا يفتح الباب على الاقتصاص من المستعمرين الغربيين وقد يكون ظرفاً مؤاتياً لتأسيس منظمة عالمية تقوم على استعادة حقوق الدول والشعوب التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والفرنسي والغربي وتسبب بنهب موارد تلك الدول وتهجير سكانها وتدمير حضاراتها وتمزيق كياناتها على يد المستعمر البريطاني والغربي عموماً. يجب أن تنصاع بريطانيا والدول الغربية لمطالب الدول المتضررة منها عبر عقود من الزمن، ويجب أن تدفع الدول المستعمرة كامل التعويضات بالقانون وبالأدوات التي تخلص إليها المنظمة العالمية المنتظرة المناط بها ملاحقة المستعمرين للاعتراف بجرائم الاستعمار في فلسطين وفي كشمير وفي أفريقيا وفي كل مكان.

التعليقات ()

اضف تعليق