image
الاستاذ عبداللطيف الضويحي
باحث تنموي، خبير جوائز تنموية، و مستشار و كاتب رأي أسبوعي
الاستاذ عبداللطيف الضويحي

المدونة

«الرياض» غير الربحية.. تمكين الأحياء السكنية!

منذ أيام صدر أمر ملكي كريم بإطلاق مؤسسة الرياض غير الربحية على أن تكون مؤسسة مستقلة ذات طبيعة خاصة، تحت مظلة الهيئة الملكية لمدينة الرياض، ومن خلال قراءة مبدئية للقائمين على هذه المؤسسة وعلى رأسهم رئيس مجلس الإدارة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، ومن خلال استعراض مستهدفات المؤسسة ومرتكزاتها وتوجهاتها، يمكن إدراك واستنتاج حجم الدور والأثر الكبير لهذه المؤسسة على الرياض المدينة والعاصمة.

إن أي مشروع لا بد له من مُخرِج، مثلما أنه بحاجة لمدير مشروع. فالمُخرِج هو من يضع البصمات النهائية للمشروع عملياً وفنياً وثقافياً واجتماعياً مع ما حوله ومن حوله من المستفيدين ومن مشروعات وبيئة اجتماعية وأحياء سكانية. وإذا كان دور المُخرِج ضروريّاً لإكمال دور مدير المشروع وفريقه في المشروع الواحد، فإن دور المخرج يصبح أكثر ضرورة إذا كنا أمام مئات المشروعات وآلاف المشروعات في مدينة بحجم وأهمية مدينة الرياض.



إن مؤسسة الرياض غير الربحية في تصوري هي المُخرِج الذي سيناط به وضع البصمات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والفنية على مجمل ما شهدته وتشهده الرياض من مشروعات على يد عشرات مديري المشاريع، التي نتج عنها الكثير من التغييرات والعديد من التحولات، من خلال إيجاد مقومات التكامل والتناغم والانسجام بين متطلبات جودة حياة السكان ونمط عيشهم على أسس النظر إلى كل فئات السكان وكافة الأحياء وبما يحقق هويّة الرياض الضرورية وفقاً لكل هذه المعطيات والمقومات.

إن الرياض ليست مجرد مدينة عصرية حديثة أو عاصمة ضاربة الجذور، لكن الرياض مجموعة كبيرة من عمليات تغيير وتحولات كبيرة وعديدة، الأمر الذي يتطلب «مركزاً عصبيّاً أفقيّاً ورأسيّاً» لهذه المدينة فائقة السرعة بالتغيير والنمو، وهو ما يستدعي الربط و تفعيل المنظومة «العصبية» ما بين أقصى نقطة في التاريخ المعروف وأبعد نقطة في المستقبل المنظور، والحفاظ الذكي على تفاعل وتناغم مختلف الثقافات السكانية، والأحياء السكنية في هذه المدينة الضخمة والسريعة والمكتظة بالسكان والفرص والتحديات.

من هنا يمكن فهم الدور ومستهدفات مؤسسة الرياض غير الربحية، «ذات الطبيعة الخاصة» والمستقلة عن المؤسسات الحكومية وغير الحكومية وبما تملكه من رؤية تنموية تشخيصية وما يجب أن تملكه من أدوات مبتكرة للتعامل مع تمكين فئات السكان وأحياء المدينة اجتماعيّاً واقتصاديّاً و ثقافيّاً، وبما يحقق درجة عالية من استثمار الفرص في التغلب على التحديات كافة.

ولما لهذه المؤسسة من أهمية في قيادتها لهذا المسار الاستثنائي في عاصمتنا الجميلة، أقترح إعطاء أولوية قصوى لنادي الحي الاجتماعي، الذي طالبت به شخصيّاً؛ لما له من أهمية وضرورة في كل حي، لما لهذا النادي من انعكاسات إيجابية على تفعيل العلاقات والروابط بين سكان الحي بمختلف فئاتهم وخلفياتهم الثقافية، الذي ينعكس بدوره على رفع درجة الأمن والثقة بين سكان كل حي في مدينة ضخمة بحجم مدينة الرياض، كما ينعكس دور هذا النادي على الحد من كثافة الحركة المرورية والازدحام خارج الحي من خلال توفير الخدمات والمناشط الأساسية للسكان في حيهم السكني قدر الإمكان، فليس صحيحاً أن يخرج سكان كل حي للبحث عن الخدمات في كل الأحياء مما يتسبب بإرباك الحركة المرورية.

إيجاد نادي الحي الاجتماعي سوف يسهم في تفعيل العلاقات بين سكان الحي، من خلال ما يوفره النادي من وسائل ترفيه مثل البلياردو وتنس الطاولة والشطرنج والمشروبات والجلسات والاجتماعات والمحاضرات فيما يخدم الحي وسكان الحي تطوعيّاً، بيئيّاً، صحيّاً، وتعليميّاً سكانيّاً وسكنيّاً لمختلف الشرائح العمرية.

إن النادي الاجتماعي في كل حي هو فكرة عملية اجتماعية اقتصادية لتقديم الحلول المبتكرة للعديد من التحديات التي عادة ما تعاني منها المدن الكبرى وهي في صميم مستهدفات مؤسسة الرياض غير الربحية، كما أنها فكرة تتبنى الابتكارات والحلول غير التقليدية في التعامل مع الواقع والمستقبل.

نادي الحي الاجتماعي فكرة يمكن أن تقوم على الشراكة بين القطاع العام والخاص والقطاع غير الربحي بحضانة وإشراف مؤسسة الرياض غير الربحية، من خلال تبني المبادرات والمشاريع للربط بين القطاعين العام والخاص والقطاع غير الربحي بما يؤسس لشراكات حيوية تحقق أهداف التنمية ومستهدفات الرؤية، الأمر الذي يتيح تمكين الفرد والمؤسسة المحلية، وتطوير قدرات الشباب، الأطفال، والمتقاعدين، وذوي الاحتياجات الخاصة، وتشجيعهم للانخراط في الحياة والمجتمع بالاعتماد على قدرات المجتمع بمن فيهم المتطوعون، وإعطاء التدريب المستمر وتطوير القدرات وتحقيق التأثير الإيجابي في المجتمع.

أخيراً، ستكون مؤسسة الرياض غير الربحية نموذجاً محليّاً وعالميّاً في دراسات قياس الأثر والاستجابة للتحديات من خلال ابتكار الأدوات المحلية الفاعلة واستكشاف الآفاق الواعدة للعلاقات بين المجتمعات المحلية والقدرات الفردية.

مقالات ذات صلة

متى يتحرر العالم من عُقدة إسرائيل ؟

2025-05-20

التاريخ الحديث مليء بالدروس التي تقول إن إسرائيل فكرةٌ قامت في فلسطين على الإجرام والبطش والكذب والخداع، ولم تقم أبداً على الأخلاق والقانون والإنسانية والمشتركات البشرية. مثلما أن التاريخ البعيد والمتوسط يزخر بالحوادث والأحداث التي تؤكد أن هذا الكيان لا يمكنه التعايش مع شعوب ودول العالم شرقه وغربه.

في علم النفس الاجتماعي السياسي هناك فرق بين شعور الخوف وشعور الولاء والاحترام، لكن علم النفس الاجتماعي السياسي يعلمنا أن هناك حالات يتحول معها الخوف من القوي إلى حب وهمي واحترام مزيف وهو ما يعرف باسم علاقة التماهي مع المعتدي، حيث يقوم الطرف الضعيف بدافع الخوف أو البقاء أو تقليل الأذى بإظهار الولاء للطرف القوي المستبد خشية من بطشه أو رغبة بكسب مصالح، لكن ذلك لا يدوم ولا يصمد طويلاً، وهذا ما يحكم العلاقة بين الكيان الإسرائيلي وحلفائه.

لا أعتقد أن هناك من يكنُّ أي احترام للكيان الغاصب في فلسطين، ولا أظن أن هناك من يتشرّف أن يرتبط اسمه باسم الكيان، لكن الإعلام والسياسة والأدوات القذرة قادرة على مونتاج المشهد وتحويل الصورة من الخوف إلى صورة الولاء.

إن حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع غير المسبوقة على الشعب العربي الفلسطيني في غزة لم تبق للإعلام والسياسة مجالاً للحفاظ على السردية الإسرائيلية الغربية، فلأول مرة يقف الإعلام الصهيوني العالمي والإدارة الصهيونية العالمية عاجزين عن إخفاء القُبح والقذارة العميقة لحقيقة هذا الكيان وطبيعته الاستعمارية الإمبريالية، فقد رأى العالم هذا الكيان المجرم لأول مرة بصورته الإجرامية الحقيقية رغم بقايا المكياج السياسي والإعلامي الصهيوني لهذا الكيان.

هذا كيان لا يستطيع أن يتعايش مع غيره، ولا يستطيع أن يعيش مع ذاته، فلو استحوذ على غزة والضفة الغربية والقدس واحتل فلسطين كاملة، سيبقى في حروب مستمرة مع دول الجوار لأسباب أيديولوجية قائمة على عقدة التفوق التي لا يختلف فيها اليمين عن اليسار.

الغارات الخاطفة التي يقوم بها هذا الكيان في داخل فلسطين وخارجها تكشف محاولات الكيان ترميم صورة جيشه المهزوم التي يريد تغييرها لتنسجم مع عقدة تفوقه، فهو يضرب الضفة الغربية، لفشله في غزة، وهو يجوّع سكان القطاع المدنيين بالكامل ويفجّر المدارس والمشفيات ويقتل الصحافيين وعمال الإغاثة وكلها أهداف محرّمة في الحروب، ناهيك عن الحروب تحت الاحتلال، تعويضاً عن فشله بإخراج الأسرى الصهاينة.

كما أن هذا الكيان المجرم يضرب في لبنان وفي سوريا، لفشله في تحقيق أهدافه المعلنة في الداخل الفلسطيني، محاولاً رفع معنويات «الجيش الأقوى في المنطقة»، واستعادة صورة الكيان القادر على حماية ورعاية مصالح الاستعمار الغربي في المنطقة العربية وأفريقيا انطلاقا من عقدة التفوق.

هناك جهل عميق للأسف لدى الكثير من دول وشعوب العالم بفكرة هذا الكيان ومستهدفاته وعلاقاته بالاستعمار الغربي وبكل الحركات العالمية الفاشية والنازية والمهددة للبشرية والأمن والسلم الدوليين.

كما أن هناك جهلاً عميقاً بعمق علاقات ونفوذ هذا الكيان ببعض العواصم والشركات والمدارس الفكرية، وجهلاً مركباً بالفكر الصهيوني وعمله الدؤوب والمستمر على إنتاج وتصدير الأزمات في الدول العربية والأفريقية والعالم.

على العالم أن يفهم -قبل فوات الأوان- أن الخطر الذي يمثله الكيان الغاصب في فلسطين لا يهدد فلسطين والدول العربية والأفريقية والعالم الإسلامي فقط، فعقدة التفوق لدى هذا الكيان ستجعل من أوروبا هدفاً يوماً ما لطموحات هذا الكيان وانتقامه منها.

على الأوروبيين أن يقلقوا من هذا الكيان، وعليهم ألا يركنوا إلى فكرة أن هذا الكيان سيبقى ممتناً للغرب على منحه فلسطين على حساب أهلها وسكانها الأصليين، وعليهم أن ينسوا أن هذا الكيان يقيم وزناً أو احتراماً لهم، بل إنهم ليسوا في مأمنٍ منه، بسبب عقدة التفوق لديه، وبسبب رغبة الانتقام من الأوروبيين، فهذا الكيان لن يتردد أن يفعل مع الأوروبيين، الذين طردوا مكوناته عشرات المرات عبر التاريخ، أفضع مما فعله مع أهل غزة بما في ذلك السلاح النووي، فهو كيان بلا أخلاق وبلا قيم وبلا إنسانية.

على العالم أن يستيقظ ويعيد هذا الكيان الغاصب لنقطة الصفر قبل أن يستفحل معه مرض وعقدة التفوق العنصري فيثأر من الأوروبيين إرضاءً لعقدة التفوق لديه، بدعم ربما وتمويل من الضفة الأخرى من الأطلسي.

الصراع الهندي الباكستاني وتركة المستعمر البريطاني

2025-05-06

شهدت العلاقات بين الهند وباكستان مؤخراً توتراً وتصعيداً خطيراً ينذر بمواجهة عسكرية بين الجارين النوويين على خلفية أزمة كشمير؛ التي نشأت بسبب تقسيم المستعمر البريطاني شبه القارة الهندية سنة 1947، بين الهند وباكستان على أساس ديني، وبقي الخلاف بين الطرفين حول كشمير ذات الغالبية المسلمة، لكن بسبب المهراجا (غير المسلم) الذي يحكم إقليم كشمير طلب انضمام كشمير إلى الهند.

هذه ليست المرة الأولى التي تتواجه بها الهند وباكستان. فقد نشبت بين البلدين حرب 1947- 1948 حول كشمير بعد انضمام مهراجا كشمير إلى الهند خلافاً لرغبة سكان كشمير وغالبيتهم من المسلمين، كما نشبت حرب 1965 حول كشمير كذلك، ثم نشبت حرب 1971 وهذه بسبب دعم الهند لحركة استقلال بنغلاديش أو ما كان يعرف باسم باكستان الشرقية، ثم حرب 1999، وبقيت الاشتباكات الحدودية مستمرة منذ سنة 2000 إلى الآن. لكن التوتر الحالي يكتسب خطورة مختلفة هذه المرة؛ بسبب وتيرة وحدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، الذي أجج الكثير من الخلافات في العالم.

الاستعمار البريطاني تسبب بالكثير من المآسي في مناطق العالم وخلّف الكثير من بؤر التوتر والصراعات داخل الدول وبين الدول بعضها ببعض، ومن هذه الصراعات: أزمة دولة فلسطين والناجم عن وعد بلفور البريطاني ودعم بريطانيا لهجرة الصهاينة ليحتلوا فلسطين والتسبب بتشريد ملايين من الشعب الفلسطيني حتى اليوم، كما تسبب الاستعمار البريطاني بتقسيم السودان إلى شمال السودان وجنوب السودان، الصراع في نيجيريا بين الشمال والجنوب، الصراع في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية، الحدود غير المستقرة بين بورما- مينمار، أفغانستان- باكستان، الأزمة القبرصية، بالإضافة لأزمة كشمير.

إن بقاء هذه الأزمات إلى الآن وتفجر بؤر الصراع التي خلفها المستعمر قصداً من حين لآخر، يعني بوضوح أن الاستعمار الغربي لا يزال يتحكم بمستعمراته السابقة ولا يزال يعوق تنميتها وينتهك سيادتها. بل إن المستعمر الغربي هو من يتحكم بالمؤسسات الدولية ويعوقها عن ممارسة دورها في حفظ السلام والأمن الدوليين، مثلما يفعله البريطانيون والأمريكيون في مجلس الأمن الدولي من حماية لمشروعهم الاستعماري الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية، وما ينطوي عليه هذا المشروع من حرب إبادة وتطهير عرقي وتهجير ضد السكان الأصليين في فلسطين والدول العربية ومنح أرض فلسطين للمرتزقة والعصابات الصهيونية المجرمة، إلى جانب ما قامت به الدول الاستعمارية الغربية من استغلال ونهب لموارد الدول التي وقع عليها الاستعمار.

لا بد من تشكيل تحالف يضم الدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني خاصة والاستعمار الغربي عموماً، والقيام بعمل منظم ومدروس ومستمر لملاحقة بريطانيا والدول الاستعمارية الغربية قانونياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً لإرغام هذه الدول على الاعتراف بكل الجرائم التي ارتكبوها ولا يزالون يرتكبونها بحق الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار وإرغامهم على دفع كامل التعويضات لكل الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والغربي.

يجب أن تدفع بريطانيا وفرنسا وغيرهما من المستعمرين الأوروبيين ثمن جرائمهم ضد شعوب ودول العالم الثالث، ولا بد أن يرتدعوا عن الاستمرار بممارسة دورهم الاستعماري الخفي تحت غطاء شركات نهب الموارد في الدول الأفريقية.

يشهد العالم اليوم تحولاً كبيراً في موازين القوى، ويشهد تراجعاً لقوة وهيمنة ونفوذ القطب الواحد، مقابل صعود قوى جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهذا يفتح الباب على الاقتصاص من المستعمرين الغربيين وقد يكون ظرفاً مؤاتياً لتأسيس منظمة عالمية تقوم على استعادة حقوق الدول والشعوب التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والفرنسي والغربي وتسبب بنهب موارد تلك الدول وتهجير سكانها وتدمير حضاراتها وتمزيق كياناتها على يد المستعمر البريطاني والغربي عموماً. يجب أن تنصاع بريطانيا والدول الغربية لمطالب الدول المتضررة منها عبر عقود من الزمن، ويجب أن تدفع الدول المستعمرة كامل التعويضات بالقانون وبالأدوات التي تخلص إليها المنظمة العالمية المنتظرة المناط بها ملاحقة المستعمرين للاعتراف بجرائم الاستعمار في فلسطين وفي كشمير وفي أفريقيا وفي كل مكان.

التعليقات ()

اضف تعليق