image
الاستاذ عبداللطيف الضويحي
باحث تنموي، خبير جوائز تنموية، و مستشار و كاتب رأي أسبوعي
الاستاذ عبداللطيف الضويحي

المدونة

حقوق الأميّين الرقميين وهيئة مكافحة الأميّة الرقمية

التقنية والرقمنة والبرمجة والبيانات هي علوم وليست غريزة يمارسها الإنسان بفطرته التلقائية منذ ولادته. فبقدر ما يتزايد الاعتماد على منتجات التقنية ومعطيات الرقمنة في نمط حياتنا، تتزايد حاجتنا لمواكبة مستجدات التقنية وتحديثاتها واستيعاب تحدياتها على مستوى الشخص والأسرة والمؤسسة.

كان الاعتقاد السائد فيما مضى أن انتشار التقنية وتزايد منتجاتها وتسارع مستجداتها والاعتماد المتزايد عليها، سيقلص الفجوات بين فئات المجتمع ويساوي بالحقوق بين مختلف الفئات ويعطي المحرومين الكثير من الحقوق نتيجة للمساواة في الوصول للتقنية ومنصات الخدمات والفرص على قدم المساواة للجميع، وهذا بالفعل تحقق إلى حد ما في الكثير من الحقوق وبين الكثير من الفئات، فلم يعد هناك فجوة بين ابن القرية وابن المدينة على سبيل المثال في الوصول للفرصة التعليمية أو الوظيفية أو الاستثمارية بسبب ما تتيحه وتوفره التقنية والمنصات الرقمية بالتساوي بين الجميع من خدمة الوصول المستمر لتلك المنصات ومنتجات المحتوى المشترك.



لكن الأميّة الرقمية التي أصبح يعاني منها الفرد والأسرة والمؤسسة، أفرزت نوعاً جديداً من الفجوات وعدم المساواة بين البعض والبعض الآخر. فالكثيرون منا لا تتجاوز معرفتهم التقنيّة والرقميّة بما بين أيديهم من تقنية أكثر من 5% إلى 10% من الإمكانات التقنية والرقمية لتلك الأجهزة المتاحة. كما أن الرسوم المطلوبة للاشتراك الشهري أو السنوي بالعديد من تلك التطبيقات والمحركات والمنصات الأساسية والضرورية للاستمرار بالحصول على الخدمات الأساسية تحول دون إتاحة الفرصة للجميع بتلك الخدمات، كما أن التدريب والتعليم المستمرين للمستخدم للتقنية ليست بالسهولة للجميع في سبيل مواكبة التحديثات والمستجدات للتغلب على التحديات التقنية والرقمية.

لقد أصبح لزاماً علينا أن نتلقى الإشعارات يومياً حول الوثائق الشخصية الدراسية والمهنية والمدنية والقانونية والمالية وحول التقاضي، فهل يستطيع الجميع التعامل تقنياً مع هذا الكم الهائل من المتطلبات التقنية والرقمية؟ وهل يستطيع الجميع مالياً الاستعانة بفني أجهزة وفني محتوى للتعامل مع الخدمات المختلفة؟ وهل يستطيع الجميع التعامل مع محامٍ لرفع دعوى قضائية أو تحمّل أحكام قضائية نتيجة لتأخر أو لصعوبة القيام بالتعامل مع الرقمنة نتيجة للأمية الرقمية؟ هناك الكثير من المهام الرقمية الشخصية والأسرية والمؤسسية التي أصبح علينا القيام بها يومياً أو شبه يومي من خلال المنصات الحكومية الإلكترونية والخدمات الرقمية المالية والقانونية.. فهل كلنا يعرف كيف يتعامل مع هذه الإجراءات والعمليات المتزايدة والمستجدة التي كانت فيما مضى من مهام موظف البلدية والزراعة والتجارة والتعليم والموارد البشرية وموظف البنك؟

هناك موظفون عموميون لا يستطيعون تقديم الخدمات العامة لطالبيها بسبب أميتهم الرقمية وبدلاً من مساعدتهم لهؤلاء تجدهم يحيلونهم للمنصات الرقمية، التي يئس البعض من فهمها والتعامل معها، مما يضطر طالبي الخدمة للجوء إلى مكاتب الخدمات العامة التي عادت للسوق مجدداً والتي يعاني أغلب العاملين فيها من الأميّة الرقمية مثلما يعاني الناس الذين يستعينون بهم ومثلما يعاني من الأميّة الرقمية بعض الموظفين العموميين في بعض الوزارات وهو ما يطيل أمد الحصول على الخدمة ويحيلنا إلى نفس المدة والإجراءات والتكاليف ما قبل التقنية وأكثر بكثير أحيانا.

أخيراً، نظراً لتفاقم الأمية الرقمية الثابتة والمتغيرة، أصبحت الحاجة ماسة لهيئة أو جهاز يستهدف الأميّة الرقمية بالدراسة والاستقصاء والرصد والتشخيص وإيجاد الحلول بحيث يكون من أولوياتها ردم الفجوة المعرفية المتجددة بين الإنسان والتقنية وبين الأسرة والتقنية وبين المؤسسة والتقنية، كما تستهدف هذه الهيئة أو المؤسسة ردم الفجوة الحقوقية الناجمة عن الأميّة الرقمية بين مختلف فئات المجتمع من خلال سن القوانين والتعليم والتدريب ومن خلال أوجه التمكين المختلفة.

مقالات ذات صلة

متى يتحرر العالم من عُقدة إسرائيل ؟

2025-05-20

التاريخ الحديث مليء بالدروس التي تقول إن إسرائيل فكرةٌ قامت في فلسطين على الإجرام والبطش والكذب والخداع، ولم تقم أبداً على الأخلاق والقانون والإنسانية والمشتركات البشرية. مثلما أن التاريخ البعيد والمتوسط يزخر بالحوادث والأحداث التي تؤكد أن هذا الكيان لا يمكنه التعايش مع شعوب ودول العالم شرقه وغربه.

في علم النفس الاجتماعي السياسي هناك فرق بين شعور الخوف وشعور الولاء والاحترام، لكن علم النفس الاجتماعي السياسي يعلمنا أن هناك حالات يتحول معها الخوف من القوي إلى حب وهمي واحترام مزيف وهو ما يعرف باسم علاقة التماهي مع المعتدي، حيث يقوم الطرف الضعيف بدافع الخوف أو البقاء أو تقليل الأذى بإظهار الولاء للطرف القوي المستبد خشية من بطشه أو رغبة بكسب مصالح، لكن ذلك لا يدوم ولا يصمد طويلاً، وهذا ما يحكم العلاقة بين الكيان الإسرائيلي وحلفائه.

لا أعتقد أن هناك من يكنُّ أي احترام للكيان الغاصب في فلسطين، ولا أظن أن هناك من يتشرّف أن يرتبط اسمه باسم الكيان، لكن الإعلام والسياسة والأدوات القذرة قادرة على مونتاج المشهد وتحويل الصورة من الخوف إلى صورة الولاء.

إن حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع غير المسبوقة على الشعب العربي الفلسطيني في غزة لم تبق للإعلام والسياسة مجالاً للحفاظ على السردية الإسرائيلية الغربية، فلأول مرة يقف الإعلام الصهيوني العالمي والإدارة الصهيونية العالمية عاجزين عن إخفاء القُبح والقذارة العميقة لحقيقة هذا الكيان وطبيعته الاستعمارية الإمبريالية، فقد رأى العالم هذا الكيان المجرم لأول مرة بصورته الإجرامية الحقيقية رغم بقايا المكياج السياسي والإعلامي الصهيوني لهذا الكيان.

هذا كيان لا يستطيع أن يتعايش مع غيره، ولا يستطيع أن يعيش مع ذاته، فلو استحوذ على غزة والضفة الغربية والقدس واحتل فلسطين كاملة، سيبقى في حروب مستمرة مع دول الجوار لأسباب أيديولوجية قائمة على عقدة التفوق التي لا يختلف فيها اليمين عن اليسار.

الغارات الخاطفة التي يقوم بها هذا الكيان في داخل فلسطين وخارجها تكشف محاولات الكيان ترميم صورة جيشه المهزوم التي يريد تغييرها لتنسجم مع عقدة تفوقه، فهو يضرب الضفة الغربية، لفشله في غزة، وهو يجوّع سكان القطاع المدنيين بالكامل ويفجّر المدارس والمشفيات ويقتل الصحافيين وعمال الإغاثة وكلها أهداف محرّمة في الحروب، ناهيك عن الحروب تحت الاحتلال، تعويضاً عن فشله بإخراج الأسرى الصهاينة.

كما أن هذا الكيان المجرم يضرب في لبنان وفي سوريا، لفشله في تحقيق أهدافه المعلنة في الداخل الفلسطيني، محاولاً رفع معنويات «الجيش الأقوى في المنطقة»، واستعادة صورة الكيان القادر على حماية ورعاية مصالح الاستعمار الغربي في المنطقة العربية وأفريقيا انطلاقا من عقدة التفوق.

هناك جهل عميق للأسف لدى الكثير من دول وشعوب العالم بفكرة هذا الكيان ومستهدفاته وعلاقاته بالاستعمار الغربي وبكل الحركات العالمية الفاشية والنازية والمهددة للبشرية والأمن والسلم الدوليين.

كما أن هناك جهلاً عميقاً بعمق علاقات ونفوذ هذا الكيان ببعض العواصم والشركات والمدارس الفكرية، وجهلاً مركباً بالفكر الصهيوني وعمله الدؤوب والمستمر على إنتاج وتصدير الأزمات في الدول العربية والأفريقية والعالم.

على العالم أن يفهم -قبل فوات الأوان- أن الخطر الذي يمثله الكيان الغاصب في فلسطين لا يهدد فلسطين والدول العربية والأفريقية والعالم الإسلامي فقط، فعقدة التفوق لدى هذا الكيان ستجعل من أوروبا هدفاً يوماً ما لطموحات هذا الكيان وانتقامه منها.

على الأوروبيين أن يقلقوا من هذا الكيان، وعليهم ألا يركنوا إلى فكرة أن هذا الكيان سيبقى ممتناً للغرب على منحه فلسطين على حساب أهلها وسكانها الأصليين، وعليهم أن ينسوا أن هذا الكيان يقيم وزناً أو احتراماً لهم، بل إنهم ليسوا في مأمنٍ منه، بسبب عقدة التفوق لديه، وبسبب رغبة الانتقام من الأوروبيين، فهذا الكيان لن يتردد أن يفعل مع الأوروبيين، الذين طردوا مكوناته عشرات المرات عبر التاريخ، أفضع مما فعله مع أهل غزة بما في ذلك السلاح النووي، فهو كيان بلا أخلاق وبلا قيم وبلا إنسانية.

على العالم أن يستيقظ ويعيد هذا الكيان الغاصب لنقطة الصفر قبل أن يستفحل معه مرض وعقدة التفوق العنصري فيثأر من الأوروبيين إرضاءً لعقدة التفوق لديه، بدعم ربما وتمويل من الضفة الأخرى من الأطلسي.

الصراع الهندي الباكستاني وتركة المستعمر البريطاني

2025-05-06

شهدت العلاقات بين الهند وباكستان مؤخراً توتراً وتصعيداً خطيراً ينذر بمواجهة عسكرية بين الجارين النوويين على خلفية أزمة كشمير؛ التي نشأت بسبب تقسيم المستعمر البريطاني شبه القارة الهندية سنة 1947، بين الهند وباكستان على أساس ديني، وبقي الخلاف بين الطرفين حول كشمير ذات الغالبية المسلمة، لكن بسبب المهراجا (غير المسلم) الذي يحكم إقليم كشمير طلب انضمام كشمير إلى الهند.

هذه ليست المرة الأولى التي تتواجه بها الهند وباكستان. فقد نشبت بين البلدين حرب 1947- 1948 حول كشمير بعد انضمام مهراجا كشمير إلى الهند خلافاً لرغبة سكان كشمير وغالبيتهم من المسلمين، كما نشبت حرب 1965 حول كشمير كذلك، ثم نشبت حرب 1971 وهذه بسبب دعم الهند لحركة استقلال بنغلاديش أو ما كان يعرف باسم باكستان الشرقية، ثم حرب 1999، وبقيت الاشتباكات الحدودية مستمرة منذ سنة 2000 إلى الآن. لكن التوتر الحالي يكتسب خطورة مختلفة هذه المرة؛ بسبب وتيرة وحدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، الذي أجج الكثير من الخلافات في العالم.

الاستعمار البريطاني تسبب بالكثير من المآسي في مناطق العالم وخلّف الكثير من بؤر التوتر والصراعات داخل الدول وبين الدول بعضها ببعض، ومن هذه الصراعات: أزمة دولة فلسطين والناجم عن وعد بلفور البريطاني ودعم بريطانيا لهجرة الصهاينة ليحتلوا فلسطين والتسبب بتشريد ملايين من الشعب الفلسطيني حتى اليوم، كما تسبب الاستعمار البريطاني بتقسيم السودان إلى شمال السودان وجنوب السودان، الصراع في نيجيريا بين الشمال والجنوب، الصراع في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية، الحدود غير المستقرة بين بورما- مينمار، أفغانستان- باكستان، الأزمة القبرصية، بالإضافة لأزمة كشمير.

إن بقاء هذه الأزمات إلى الآن وتفجر بؤر الصراع التي خلفها المستعمر قصداً من حين لآخر، يعني بوضوح أن الاستعمار الغربي لا يزال يتحكم بمستعمراته السابقة ولا يزال يعوق تنميتها وينتهك سيادتها. بل إن المستعمر الغربي هو من يتحكم بالمؤسسات الدولية ويعوقها عن ممارسة دورها في حفظ السلام والأمن الدوليين، مثلما يفعله البريطانيون والأمريكيون في مجلس الأمن الدولي من حماية لمشروعهم الاستعماري الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية، وما ينطوي عليه هذا المشروع من حرب إبادة وتطهير عرقي وتهجير ضد السكان الأصليين في فلسطين والدول العربية ومنح أرض فلسطين للمرتزقة والعصابات الصهيونية المجرمة، إلى جانب ما قامت به الدول الاستعمارية الغربية من استغلال ونهب لموارد الدول التي وقع عليها الاستعمار.

لا بد من تشكيل تحالف يضم الدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني خاصة والاستعمار الغربي عموماً، والقيام بعمل منظم ومدروس ومستمر لملاحقة بريطانيا والدول الاستعمارية الغربية قانونياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً لإرغام هذه الدول على الاعتراف بكل الجرائم التي ارتكبوها ولا يزالون يرتكبونها بحق الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار وإرغامهم على دفع كامل التعويضات لكل الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والغربي.

يجب أن تدفع بريطانيا وفرنسا وغيرهما من المستعمرين الأوروبيين ثمن جرائمهم ضد شعوب ودول العالم الثالث، ولا بد أن يرتدعوا عن الاستمرار بممارسة دورهم الاستعماري الخفي تحت غطاء شركات نهب الموارد في الدول الأفريقية.

يشهد العالم اليوم تحولاً كبيراً في موازين القوى، ويشهد تراجعاً لقوة وهيمنة ونفوذ القطب الواحد، مقابل صعود قوى جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهذا يفتح الباب على الاقتصاص من المستعمرين الغربيين وقد يكون ظرفاً مؤاتياً لتأسيس منظمة عالمية تقوم على استعادة حقوق الدول والشعوب التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والفرنسي والغربي وتسبب بنهب موارد تلك الدول وتهجير سكانها وتدمير حضاراتها وتمزيق كياناتها على يد المستعمر البريطاني والغربي عموماً. يجب أن تنصاع بريطانيا والدول الغربية لمطالب الدول المتضررة منها عبر عقود من الزمن، ويجب أن تدفع الدول المستعمرة كامل التعويضات بالقانون وبالأدوات التي تخلص إليها المنظمة العالمية المنتظرة المناط بها ملاحقة المستعمرين للاعتراف بجرائم الاستعمار في فلسطين وفي كشمير وفي أفريقيا وفي كل مكان.

التعليقات ()

اضف تعليق