image
الاستاذ عبداللطيف الضويحي
باحث تنموي، خبير جوائز تنموية، و مستشار و كاتب رأي أسبوعي
الاستاذ عبداللطيف الضويحي

المدونة

أسوان والتوأمة السياحية للمدن السعودية

بعض المدن تشعر أنها تستقبلك قبل أن تصل إلى المطار، وتشعرك أن كل سكانها يدعونك للقهوة كلما قابلتهم، تلك مدن تظن أنك نشأت بين أهلها وتعلمت في مدارسها لفرط بساطة أهلها على اختلاف مقاماتهم ومواقعهم من المحافظ ومدير الفندق ومسؤول المتحف وسائق التاكسي ونادل المطعم والمقهى. حتى التجّار في أسوان تمنعهم ثقافتهم الأسوانية وأصالتهم العربية من التهافت على عملية البيع قبل تقديم فنجان القهوة أو الشاي! من أين لأهل أسوان هذا النمط الفريد والاستثنائي في المدن السياحية؟ وكيف حافظ أهل أسوان على هذا الأسلوب البسيط المتحضر في آن واحد؟ كيف نجح أهل أسوان وتجّار أسوان بأن يكونوا أصدقاء لزوارهم والسياح الذين يأتون إليهم؟ هل هي الثقة والاعتداد بالنفس والطاقة المستمدة من الرسوخ والطاقة التي يقدمها ويقوم عليها «السد العالي»، أم هي العبقرية المتأصلة في ذهن وعقلية ونفسية أهل أسوان جيلاً بعد جيل والمستوحاة من عمق واتساع عبقرية «العقاد» والذي يقف تمثاله شاهداً على عبقرية فكر العقاد وثقافة العقاد وأفق العقاد؟

لقد أحسنت المنظمة العربية للتنمية الإدارية صنعاً وهي تعقد مؤتمرها السابع للإعلام والذكاء الاصطناعي في محافظة أسوان، والذي كان سبباً للكثير من الحضور في التعرّف على هذه المدينة الوديعة والمكتنزة بالحضارات والتاريخ والآثار والمواقع ذات القيمة البالغة، كما أود أن أسجل شكري وتقديري لإدارة المنظمة العربية للتنمية الإدارية والتي كما يبدو لي أنها تتبنى هدفاً نبيلاً يضاف لأهدافها النبيلة وهو التعريف الممنهج والمبرمج بالمدن العربية ضمن عملها الدؤوب في الوقوف على التجارب المنوعة والمختلفة بغرض الإثراء بالمحتوى المحلي للمؤتمرات واللقاءات والندوات والورش التي تعقدها بشتى المجالات.



أكثر ما يلفت الانتباه عند زيارة مدينة بأهمية مدينة أسوان هو تعذر وجود رحلات جوية مباشرة من وإلى أسوان والمدن السعودية مثل الرياض وجدة وغيرهما. وهذا في تقديري أحد أسباب اختزال السياحة في مدينة واحدة أو مدينتين. هناك الكثير من المدن المصرية الغنية بالتاريخ والحضارات والمقومات السياحية المهمة والجديرة بأن تتاح لكل من يريدون زيارتها والتعرّف على تاريخها وثقافة وأصالة شعبها على غرار مدينة أسوان.

أنا لا أعرف الاعتبارات التي على أساسها يتم إدراج مدينة من المدن في بلد من البلدان ضمن محطات الطيران في هذه الدولة أو تلك، لكني على يقين أن دراسة متعمقة لأسوان سياحياً واقتصادياً وثقافياً كفيلة بتوليد بلورة الكثير من الفرص الاقتصادية والسياحية والاستثمارية للجانبين.

السياحة هي النقل والمواصلات المباشرة، وإن ربط السياحة بالاقتصاد يقتضي أولاً العمل على توفير وتسهيل نظام النقل والمواصلات المباشرة والميسرة بالمدن ذات القيمة الحضارية والثقافية والسياحية، فلا يمكن الحديث عن سياحة ناجحة اقتصادياً دون توفير وسائل النقل والمواصلات المباشرة والمريحة، والأدلة كثيرة ومعروفة في العديد من التجارب.

إن معرفتي بمستهدفات وزارة السياحة السعودية والاهتمام والعمل الكبير الذي يبذله المسؤولون في وزارة السياحة السعودية يجعلني أقترح أن تتبنى وزارة السياحة السعودية برنامجاً اقتصادياً وثقافياً مدروساً يتبنى التوأمة السياحية مع المدن العربية ذات القيمة الحضارية الثقافية التاريخية بالتكامل أو التشابه مع كل مدينة سعودية سياحية على حدة وفقا لمواصفات ومعايير عالمية للتوأمة.

من المهم أن يشمل برنامج التوأمة السياحية السعودية كل المدن العربية ذات القيمة الحضارية والثقافية والاقتصادية العالية، على أن يتسع فيما بعد ليشمل مدنا غير عربية.

أخيراً، أسجل بالشكر والتقدير الفرصة الرائعة التي أتاحها لنا وللمؤتمرين معالي محافظ أسوان اللواء الدكتور إسماعيل محمد كمال وفريقه الكرام للتعرّف على محافظة أسوان من مختلف زوايا الجمال والروعة التي تمتلكها هذه المحافظة الحالمة من عمق حضاري تاريخي ثقافي وموقع جغرافي وتركيبة سكانية رائعة، ستكون مكسباً لأي توأمة بإذن الله.


مقالات ذات صلة

متى يتحرر العالم من عُقدة إسرائيل ؟

2025-05-20

التاريخ الحديث مليء بالدروس التي تقول إن إسرائيل فكرةٌ قامت في فلسطين على الإجرام والبطش والكذب والخداع، ولم تقم أبداً على الأخلاق والقانون والإنسانية والمشتركات البشرية. مثلما أن التاريخ البعيد والمتوسط يزخر بالحوادث والأحداث التي تؤكد أن هذا الكيان لا يمكنه التعايش مع شعوب ودول العالم شرقه وغربه.

في علم النفس الاجتماعي السياسي هناك فرق بين شعور الخوف وشعور الولاء والاحترام، لكن علم النفس الاجتماعي السياسي يعلمنا أن هناك حالات يتحول معها الخوف من القوي إلى حب وهمي واحترام مزيف وهو ما يعرف باسم علاقة التماهي مع المعتدي، حيث يقوم الطرف الضعيف بدافع الخوف أو البقاء أو تقليل الأذى بإظهار الولاء للطرف القوي المستبد خشية من بطشه أو رغبة بكسب مصالح، لكن ذلك لا يدوم ولا يصمد طويلاً، وهذا ما يحكم العلاقة بين الكيان الإسرائيلي وحلفائه.

لا أعتقد أن هناك من يكنُّ أي احترام للكيان الغاصب في فلسطين، ولا أظن أن هناك من يتشرّف أن يرتبط اسمه باسم الكيان، لكن الإعلام والسياسة والأدوات القذرة قادرة على مونتاج المشهد وتحويل الصورة من الخوف إلى صورة الولاء.

إن حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع غير المسبوقة على الشعب العربي الفلسطيني في غزة لم تبق للإعلام والسياسة مجالاً للحفاظ على السردية الإسرائيلية الغربية، فلأول مرة يقف الإعلام الصهيوني العالمي والإدارة الصهيونية العالمية عاجزين عن إخفاء القُبح والقذارة العميقة لحقيقة هذا الكيان وطبيعته الاستعمارية الإمبريالية، فقد رأى العالم هذا الكيان المجرم لأول مرة بصورته الإجرامية الحقيقية رغم بقايا المكياج السياسي والإعلامي الصهيوني لهذا الكيان.

هذا كيان لا يستطيع أن يتعايش مع غيره، ولا يستطيع أن يعيش مع ذاته، فلو استحوذ على غزة والضفة الغربية والقدس واحتل فلسطين كاملة، سيبقى في حروب مستمرة مع دول الجوار لأسباب أيديولوجية قائمة على عقدة التفوق التي لا يختلف فيها اليمين عن اليسار.

الغارات الخاطفة التي يقوم بها هذا الكيان في داخل فلسطين وخارجها تكشف محاولات الكيان ترميم صورة جيشه المهزوم التي يريد تغييرها لتنسجم مع عقدة تفوقه، فهو يضرب الضفة الغربية، لفشله في غزة، وهو يجوّع سكان القطاع المدنيين بالكامل ويفجّر المدارس والمشفيات ويقتل الصحافيين وعمال الإغاثة وكلها أهداف محرّمة في الحروب، ناهيك عن الحروب تحت الاحتلال، تعويضاً عن فشله بإخراج الأسرى الصهاينة.

كما أن هذا الكيان المجرم يضرب في لبنان وفي سوريا، لفشله في تحقيق أهدافه المعلنة في الداخل الفلسطيني، محاولاً رفع معنويات «الجيش الأقوى في المنطقة»، واستعادة صورة الكيان القادر على حماية ورعاية مصالح الاستعمار الغربي في المنطقة العربية وأفريقيا انطلاقا من عقدة التفوق.

هناك جهل عميق للأسف لدى الكثير من دول وشعوب العالم بفكرة هذا الكيان ومستهدفاته وعلاقاته بالاستعمار الغربي وبكل الحركات العالمية الفاشية والنازية والمهددة للبشرية والأمن والسلم الدوليين.

كما أن هناك جهلاً عميقاً بعمق علاقات ونفوذ هذا الكيان ببعض العواصم والشركات والمدارس الفكرية، وجهلاً مركباً بالفكر الصهيوني وعمله الدؤوب والمستمر على إنتاج وتصدير الأزمات في الدول العربية والأفريقية والعالم.

على العالم أن يفهم -قبل فوات الأوان- أن الخطر الذي يمثله الكيان الغاصب في فلسطين لا يهدد فلسطين والدول العربية والأفريقية والعالم الإسلامي فقط، فعقدة التفوق لدى هذا الكيان ستجعل من أوروبا هدفاً يوماً ما لطموحات هذا الكيان وانتقامه منها.

على الأوروبيين أن يقلقوا من هذا الكيان، وعليهم ألا يركنوا إلى فكرة أن هذا الكيان سيبقى ممتناً للغرب على منحه فلسطين على حساب أهلها وسكانها الأصليين، وعليهم أن ينسوا أن هذا الكيان يقيم وزناً أو احتراماً لهم، بل إنهم ليسوا في مأمنٍ منه، بسبب عقدة التفوق لديه، وبسبب رغبة الانتقام من الأوروبيين، فهذا الكيان لن يتردد أن يفعل مع الأوروبيين، الذين طردوا مكوناته عشرات المرات عبر التاريخ، أفضع مما فعله مع أهل غزة بما في ذلك السلاح النووي، فهو كيان بلا أخلاق وبلا قيم وبلا إنسانية.

على العالم أن يستيقظ ويعيد هذا الكيان الغاصب لنقطة الصفر قبل أن يستفحل معه مرض وعقدة التفوق العنصري فيثأر من الأوروبيين إرضاءً لعقدة التفوق لديه، بدعم ربما وتمويل من الضفة الأخرى من الأطلسي.

الصراع الهندي الباكستاني وتركة المستعمر البريطاني

2025-05-06

شهدت العلاقات بين الهند وباكستان مؤخراً توتراً وتصعيداً خطيراً ينذر بمواجهة عسكرية بين الجارين النوويين على خلفية أزمة كشمير؛ التي نشأت بسبب تقسيم المستعمر البريطاني شبه القارة الهندية سنة 1947، بين الهند وباكستان على أساس ديني، وبقي الخلاف بين الطرفين حول كشمير ذات الغالبية المسلمة، لكن بسبب المهراجا (غير المسلم) الذي يحكم إقليم كشمير طلب انضمام كشمير إلى الهند.

هذه ليست المرة الأولى التي تتواجه بها الهند وباكستان. فقد نشبت بين البلدين حرب 1947- 1948 حول كشمير بعد انضمام مهراجا كشمير إلى الهند خلافاً لرغبة سكان كشمير وغالبيتهم من المسلمين، كما نشبت حرب 1965 حول كشمير كذلك، ثم نشبت حرب 1971 وهذه بسبب دعم الهند لحركة استقلال بنغلاديش أو ما كان يعرف باسم باكستان الشرقية، ثم حرب 1999، وبقيت الاشتباكات الحدودية مستمرة منذ سنة 2000 إلى الآن. لكن التوتر الحالي يكتسب خطورة مختلفة هذه المرة؛ بسبب وتيرة وحدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، الذي أجج الكثير من الخلافات في العالم.

الاستعمار البريطاني تسبب بالكثير من المآسي في مناطق العالم وخلّف الكثير من بؤر التوتر والصراعات داخل الدول وبين الدول بعضها ببعض، ومن هذه الصراعات: أزمة دولة فلسطين والناجم عن وعد بلفور البريطاني ودعم بريطانيا لهجرة الصهاينة ليحتلوا فلسطين والتسبب بتشريد ملايين من الشعب الفلسطيني حتى اليوم، كما تسبب الاستعمار البريطاني بتقسيم السودان إلى شمال السودان وجنوب السودان، الصراع في نيجيريا بين الشمال والجنوب، الصراع في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية، الحدود غير المستقرة بين بورما- مينمار، أفغانستان- باكستان، الأزمة القبرصية، بالإضافة لأزمة كشمير.

إن بقاء هذه الأزمات إلى الآن وتفجر بؤر الصراع التي خلفها المستعمر قصداً من حين لآخر، يعني بوضوح أن الاستعمار الغربي لا يزال يتحكم بمستعمراته السابقة ولا يزال يعوق تنميتها وينتهك سيادتها. بل إن المستعمر الغربي هو من يتحكم بالمؤسسات الدولية ويعوقها عن ممارسة دورها في حفظ السلام والأمن الدوليين، مثلما يفعله البريطانيون والأمريكيون في مجلس الأمن الدولي من حماية لمشروعهم الاستعماري الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية، وما ينطوي عليه هذا المشروع من حرب إبادة وتطهير عرقي وتهجير ضد السكان الأصليين في فلسطين والدول العربية ومنح أرض فلسطين للمرتزقة والعصابات الصهيونية المجرمة، إلى جانب ما قامت به الدول الاستعمارية الغربية من استغلال ونهب لموارد الدول التي وقع عليها الاستعمار.

لا بد من تشكيل تحالف يضم الدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني خاصة والاستعمار الغربي عموماً، والقيام بعمل منظم ومدروس ومستمر لملاحقة بريطانيا والدول الاستعمارية الغربية قانونياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً لإرغام هذه الدول على الاعتراف بكل الجرائم التي ارتكبوها ولا يزالون يرتكبونها بحق الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار وإرغامهم على دفع كامل التعويضات لكل الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والغربي.

يجب أن تدفع بريطانيا وفرنسا وغيرهما من المستعمرين الأوروبيين ثمن جرائمهم ضد شعوب ودول العالم الثالث، ولا بد أن يرتدعوا عن الاستمرار بممارسة دورهم الاستعماري الخفي تحت غطاء شركات نهب الموارد في الدول الأفريقية.

يشهد العالم اليوم تحولاً كبيراً في موازين القوى، ويشهد تراجعاً لقوة وهيمنة ونفوذ القطب الواحد، مقابل صعود قوى جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهذا يفتح الباب على الاقتصاص من المستعمرين الغربيين وقد يكون ظرفاً مؤاتياً لتأسيس منظمة عالمية تقوم على استعادة حقوق الدول والشعوب التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والفرنسي والغربي وتسبب بنهب موارد تلك الدول وتهجير سكانها وتدمير حضاراتها وتمزيق كياناتها على يد المستعمر البريطاني والغربي عموماً. يجب أن تنصاع بريطانيا والدول الغربية لمطالب الدول المتضررة منها عبر عقود من الزمن، ويجب أن تدفع الدول المستعمرة كامل التعويضات بالقانون وبالأدوات التي تخلص إليها المنظمة العالمية المنتظرة المناط بها ملاحقة المستعمرين للاعتراف بجرائم الاستعمار في فلسطين وفي كشمير وفي أفريقيا وفي كل مكان.

التعليقات ()

اضف تعليق