المدونة

الصوف.. حرفة تصوغ هوية المكان

مع كل خيط يُعاد ترتيبه، تعود حكاية قديمة إلى السطح. في الحدود الشمالية، لا يُغزل الصوف لمجرد الدفء، بل استمرارًا لمعرفة تشكّلت عبر زمن طويل، واحتفظت بمكانها داخل الحياة اليومية رغم تبدّل الظروف.

تبدأ رحلة الصوف من الأغنام، مرورًا بمراحل دقيقة من التنظيف والفرز، وصولًا إلى التمشيط والغزل باستخدام أدوات خشبية تقليدية، ما تزال حاضرة في تفاصيل العمل حتى اليوم. هذه المراحل لا تُدار بعجلة، بل تُمارَس بإيقاع هادئ يعكس خبرة متراكمة انتقلت عبر الأجيال بالمشاهدة والتجربة، لا بالتدوين.

الغزل في هذه المنطقة ليس عملية تقنية فقط، بل ممارسة تتقاطع فيها المهارة مع الصبر. تُعاد ترتيب الألياف يدويًا لتتحول إلى خيوط متماسكة، قادرة على مواجهة برد الشتاء الطويل. وتكشف الأدوات المستخدمة عن فهم مبكر لقيمة البساطة، حيث تُؤدّي القطعة الواحدة أكثر من وظيفة، وتُصمَّم لخدمة الغاية قبل الشكل.

أما النسيج الناتج، فيحمل ملامحه الخاصة التي تستمد حضورها من البيئة المحيطة. ألوان هادئة، ونقوش هندسية بسيطة، تخضع لمنطق الاستخدام اليومي أكثر من الزخرفة. البُسط والأغطية المنسوجة لم تكن عنصرًا إضافيًا في الحياة، بل جزءًا أصيلًا من البيت والخيمة، ترافق التنقل والاستقرار على حد سواء.

ومع تحوّل أنماط العيش، لم تختفِ هذه الحرفة، بل تغيّر سياقها. انتقلت من ممارسة فرضتها الضرورة إلى فعل ثقافي تُعاد قراءته اليوم ضمن مساعي التوثيق والحفاظ على التراث غير المادي. وأصبحت مهارات الصوف مجالًا تتقاطع فيه الذاكرة الشعبية مع الرؤية الثقافية المعاصرة، التي تسعى إلى صون الحرفة وإعادة تقديمها ضمن أطر أكثر استدامة.

الصورة المرافقة تلتقط هذا المعنى بدقة؛ امرأة تجلس وسط الصوف، محاطة بالألوان والنسيج، تمارس العمل بهدوء وثبات. مشهد يختصر تاريخًا طويلًا من المعرفة اليدوية، ويؤكد أن الهوية لا تُحفظ في السرد فقط، بل في الفعل المتكرر، وفي المهارة التي تواصل حضورها رغم تغيّر الأزمنة.

هكذا، من شمال المملكة، يتحول الصوف إلى لغة صامتة تعبّر عن الإنسان والمكان والزمن. نسيج يمنح الدفء للجسد، ويحفظ في خيوطه ذاكرة مجتمع عرف كيف يصنع ضروراته من بيئته، وكيف يحوّل الحاجة إلى ثقافة مستمرة.

المصدر: صحيفة الرياض (13 يناير 2026م)

مقالات ذات صلة

0 0

متاحف طريف التراثية توثق ذاكرة المنطقة وتستقطب الزوار في اليوم العالمي للمتاحف

2026-05-19 اخبار

تبرز المتاحف التراثية بمحافظة طريف بمنطقة الحدود الشمالية بالتزامن مع اليوم العالمي للمتاحف الذي يوافق الـ18 من مايو من كل عام، بوصفها وجهات ثقافية تسهم في حفظ الموروث الشعبي وتوثيق تفاصيل الحياة القديمة، من خلال ما تضمه من مقتنيات وأدوات تحكي تاريخ المنطقة وتفاصيل الحياة الاجتماعية فيها.
وتحتفي المتاحف الخاصة في طريف بالموروث الشعبي عبر عرض آلاف القطع التراثية والأعمال اليدوية والأدوات المستخدمة قديمًا، بما يعكس اهتمام المهتمين بالتراث في المحافظة بالحفاظ على المقتنيات التاريخية وتعريف الأجيال بها، إلى جانب ما تمثله من عناصر جذب للزوار والمهتمين بالتراث والثقافة.
ويضم متحف المواطن عبدالمجيد الحازمي أكثر من 2000 قطعة تراثية متنوعة، تشمل أدوات الحياة اليومية والمقتنيات الشعبية التي استخدمها أهالي المنطقة والبدو الرحل قديمًا، إذ حرص على جمعها وعرضها داخل متحف تراثي يستقبل الزوار من داخل المحافظة وخارجها، بهدف التعريف بتاريخ المنطقة والمحافظة على موروثها الثقافي، ويضم متحف عبدالكريم العنزي أكثر من 3 آلاف قطعة تراثية، تتنوع بين النحاسيات والدلال والأباريق وحافظات الطعام، إلى جانب السدو وأدواته، والسيوف والخناجر، ولوحات السيارات القديمة والكتب المدرسية وتذاكر السفر، حيث جرى عرضها بطريقة تحاكي طبيعة الحياة القديمة وتعكس تفاصيل البيئة الاجتماعية في تلك الفترة.
وأكد المؤرخ والباحث في تاريخ وجغرافيا منطقة الحدود الشمالية مطر بن عايد العنزي، أن المتاحف تمثل رافدًا ثقافيًا مهمًا في تعزيز الوعي المجتمعي وترسيخ الهوية الوطنية، مشيرًا إلى أن دورها تجاوز حفظ المقتنيات إلى الإسهام في نقل المعرفة وربط الأجيال بتاريخ مناطقهم وإرثهم الحضاري.

المصدر: واس (18 مايو 2026م)

0 0

كرسي الأمير فيصل بن خالد بجامعة الحدود الشمالية يطور نموذجًا ذكيًا لخفض تكاليف مراكز الطاقة الهجينة

2026-05-19 اخبار

نجح فريق بحثي من كرسي الأمير فيصل بن خالد بن سلطان للأبحاث في دراسات وتطبيقات الطاقة المتجددة بجامعة الحدود الشمالية، في تطوير إطار ذكي ومتقدم لإدارة مراكز الطاقة الهجينة متعددة المصادر؛ بهدف تحسين كفاءة استخدام الطاقة المتجددة وخفض تكاليف التشغيل في أنظمة الطاقة الحديثة.
وتناول البحث تصميم نموذج متطور لإدارة مراكز الطاقة التي تجمع الكهرباء والطاقة الحرارية وأنظمة التبريد، مع دمج تقنيات التخزين المتعددة للطاقة، بما يشمل التخزين الكهربائي والحراري والبارد، وذلك ضمن بيئة تعتمد على مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
واعتمدت الدراسة على تطوير خوارزمية ذكية محسّنة مستوحاة من سلوك طائر الطنان، أطلق عليها اسم "الخوارزمية المحسّنة لطائر الطنان الاصطناعي"، حيث أظهرت النتائج قدرة عالية على تحسين إدارة الطاقة وتقليل التكاليف التشغيلية مقارنة بعدد من الخوارزميات التقليدية المستخدمة في هذا المجال.
وأظهرت النتائج أن دمج أنظمة التخزين المتعددة ضمن مراكز الطاقة الهجينة أسهم في خفض تكاليف التشغيل بنسبة تجاوزت 11%، فيما أدى استخدام النمذجة الاحتمالية المتقدمة وتقنيات المحاكاة الذكية إلى تقليل إضافي في التكاليف وصل إلى أكثر من 36%، الأمر الذي يعزز كفاءة واستدامة أنظمة الطاقة المستقبلية.
ويُسهم هذا الإنجاز العلمي في دعم التوجهات الحديثة نحو التحول للطاقة النظيفة والمدن الذكية، ويعكس جهود كرسي الأمير فيصل بن خالد بن سلطان للأبحاث في دراسات وتطبيقات الطاقة المتجددة بجامعة الحدود الشمالية في تعزيز البحث العلمي والابتكار في مجالات الطاقة المستدامة والذكاء الاصطناعي، بما يواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تنويع مصادر الطاقة وتحقيق الاستدامة البيئية.

المصدر: واس (18 مايو 2026م)

التعليقات (0)

اضف تعليق