image
د. أحمد عبدالرحمن العرفج
دكتوراه فى الإعلام د. أحمد عبدالرحمن العرفج كاتب
د. أحمد عبدالرحمن العرفج

المدونة

هل الكلمات تغير من واقع الحياة..؟!

الكون قائم على أن ما تفكر فيه وتتلفظ به، فإنه غالباً قد يتحقق ومن ذلك المصطلح الغربي «قانون الجذب»، أو كما قالت العرب: «البلاء موكل بالمنطق». ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «أخذنا فألك من فيك»، أي أن واقعك مقسوم على توقعك، وحالك هو نتيجة خيالك، وكلما توقع الإنسان الأسوأ انجذب إليه، وكلما توقع الخيّر والطيّب انجذب له. لقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء). إن لسان المرء حصانه (كما تقول العرب)، وهذا اللسان له شأن عظيم قد يؤدي بصاحبه إلى منطقة الأمان والسلام؛ وقد يأخذه إلى فضاءات الخطر مالم يتثبت من منطوقه. وقد قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً). وقال الرسول ﷺ: (أمسك عليك لسانك). وجاء في المثل: (البلاء موكل بالمنطق). وقد وردت قصص كثيرة حول هذا المفهوم، سأذكر بعضها من خلال هذه اليوميات: الأحد: يعقوب عليه السلام لما قال لبنيه في يوسف: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ وبالفعل دبر أبناؤه المؤامرة، ثم رموه في البئر وجاؤوا إليه عِشاءً وقالوا: أكله الذئب، فابُتليَ من ناحية هذا القول. ولمَّا قال لهم في أخيهم عند سفرهم إلى مصر: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أُحيط بهم وغُلبوا عليه، ورجعوا إليه من غيره. الاثنين: يوسف عليه السلام لما قال في محنة امرأة العزيز: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ وقد سُجِن ولبِث في حبسه بضع سنين. الثلاثاء: روي عن امرأة فرعون أنها لما وجدت موسى عليه السلام في التابوت قالت لفرعون: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. فرد فرعون: قرّة عين لك، أما لي فلا. قال محمد بن قيس: قال رسول الله ﷺ: (لَوْ قَالَ فِرْعَوْنُ: قُرّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكِ، لَكَانَ لَهُمَا جَمِيعًا). الأربعاء: في صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ دخل على أعرابي يعوده، وكان النبي إذا دخل على مريض، قال: «لا بَأْسَ.. طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»؛ فَقَالَ الرجل: «قُلْتَ طَهُورٌ! كلا، بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ، أَوْ تَثُورُ، عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، تُزِيرُهُ الْقُبُورَ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَنَعَمْ إِذن». فالأول ابتلي بما ذكر، وكان يسعه الصمت، والثاني لم يقبل دعاء رسول الله، فقال بلسانه ما وجده أمامه. الخميس: في جامع ابن وهب؛ أن رسول الله ﷺ أُتي بغلام طفل صغير فقال: «ما سميتم هذا؟» قالوا: (السائب)، ومعناه؛ ذَهَبَ عَلَى وَجْهِهِ. فقال: «لا تسموه السائب؛ ولكن عبد الله»، قال: (فغلبوا على اسمه فلم يمت حتى ذهب عقله). الجمعة: في عهد عمر، رضي الله عنه، عندما سأل رجلاً عن اسمه وعنوانه؟ فكان الجواب سيئاً، ولذلك كانت النتيجة سيئة، إذ روى عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ لِرَجُلٍ: «مَا اسْمُكَ؟» فَقَالَ: (جَمْرَةُ!)، فَقَالَ: «ابْنُ مَنْ؟!» فَقَالَ: (ابْنُ شِهَابٍ!)، قَالَ: «مِمَّنْ؟!» أي من أي القبائل أنت؟ قَالَ: (مِنَ الْحُرَقَةِ!)، قَالَ: «أَيْنَ مَسْكَنُكَ؟» قَالَ: (بِحَرَّةِ النَّارِ!)، قَالَ: «بِأَيِّهَا؟!»، قَالَ: (بِذَاتِ لَظًى!)، قَالَ عُمَرُ: «أَدْرِكْ أَهْلَكَ فَقَدِ احْتَرَقُوا»، قَالَ: (فَكَانَ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ). السبت: لا تتوقعوا الخراب، السقوط، الجوع، فقد قال علي بن أبي طالب: (كل متوقع آت)، فقط توقعوا من الله الكريم سعة الرزق، وأحسنوا الظن بالله وثقوا به فخزائنه مليئة، وهو رب كريم رحيم. الأحد: ولما جاءت نساء القبائل كعادتهن في كلّ سنة إلى مكّة المكرّمة، ليأخذن أبناء الأشراف للرضاعة، أمر عبد المطّلب أن يُؤتى بالمرضعات، ليختار منهنّ واحدة لحفيده الميمون، فأتت النساء إلى عبد المطّلب فلم يقبل الوليد وهو النبي ﷺ أن يرضع من ثدي أية امرأة منهنّ، وهكذا حتى لم تبق منهن سوى امرأة واحدة وهي الطاهرة حليمة السعدية فرضع منها، ولمّا جاءت إلى عبد المطّلب بعد إرضاعه سألها عن اسمها، فقالت حليمة السعدية فتفاءل بذلك وقال: حلم وسعد. الاثنين: عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما، أن ابنة الجون لما أُدخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها، قالت: أعوذُ بالله منك، فقال لها: (لقد عُذت بعظيم، الحقي بأهلك)، هذه المرأة لم يُقدِّر الله لها ما هو خير، فإنها لو بقيت من زوجات الرسول ﷺ لكانت معه في الجنة. الثلاثاء: رُوي أن رجلًا من النصارى – وكان بالمدينة – إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: “حُرِق الكاذب”، فسقطت في بيته شرارةٌ من نار وهو نائم، فتعلَّقت النارُ بالبيت فأحرقته، وأحرقت ذلك الكافرَ معه؛ فكانت عبرة للخلق”.! الأربعاء: ولَّى ابن حفصون قائدَه (عيشون) المُلقَّب بالخير على مدينة «رية»، فسار إليه الأمير المنذر بن محمد ليقاتله، فقال عيشون لأصحابه: «إذا المنذرُ ظفر بي، فليصلبْني بين خِنزيرٍ وكلب»؛ دلالةً على استهانته به، ويقينه من الانتصار عليه، فحاصره المنذر حتى عجز أهل «رية» مما حلَّ بهم، فسلموا إلى الأمير المنذر «عيشون»، فوجه به إلى قرطبة، وصلبه وعن يمينه خنزير وعن يساره كلب كما قال. الخميس: ذكر الحافظ الذهبي رحمه الله في كتابه: سير أعلام النبلاء أن الوزير ابن الزيات، قال: ما رحمت أحداً قط، الرحمة خور في الطبع، ثم إن الحال تغير، فسجن في قفص جهاته بمسامير كالمسال، فكان يصيح: ارحموني، فيقولون: الرحمة خور في الطبع. الجمعة: اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد فحضرت صلاة المغرب، فتقدم الكسائي فصلى فارتج عليه في سورة (الكافرون)، فلما سلم قال اليزيدي قارئ الكوفة يرتج عليه في سورة (الكافرون)، فحضرت صلاة العشاء فتقدم اليزيدي فارتج عليه في سورة الفاتحة فلما سلم قال له: احفظ لسانك أن تقول فتبتلى.. إن البلاء موكل بالمنطق. السبت: روى الديلمي من حديث عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن أبي الدرداء مرفوعاً: البلاء موكل بالمنطق، ما قال عبد لشيء: واللَّه لا أفعله، إلا ترك الشيطان كل شيء، وولع به حتى يؤثمه.! الأحد: في حديث إبراهيم النخعي، قال: إني لأجد نفسي تحدثني بالشيء فما يمنعني أن أتكلم به إلا مخافة أن أُبتلى به.! الاثنين: إن حسن المنطق وتخير الألفاظ من توفيق وهداية الله للإنسان، قال الله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾، ومن ذلك الأمنية المتفائلة يُحصّل بها العبد خيراً وبركة، وبضدها التشاؤم والحسرة، إذ يقول القاضي ابن بهلول: لا تنطقن بما كرهت فربما نطق اللسان بحادث فيكون الثلاثاء: ومن التاريخ ما قاله المؤمل الشاعر، في امرأة من «الحِيرة» كان قد تعلق بها: شفَّ المُؤمِّلَ يومَ الحِيرةِ النَّظرُ ليتَ المؤمِّلَ لم يُخلقْ لهُ بصرُ ومجنون ليلى يقول: فلو كنتُ أعمى أخبِطُ الأرضَ بالعصا أصمَّ فنادتْني أجبتُ المنادِيا فعُمي الشاعر المؤمل بالعمى، أما مجنون ليلى فقد أصيب بصمم، فكلاهما وقع له ما تفوه به، ومن هنا يتضح أن الشاعرين أصيبا بما نطقا به. الأربعاء: عندما نزل الحسين بن علي، رضي الله تعالى عنهما، وأصحابه بكربلاء في العراق سأل عن اسمِها؟ فقيل: (كربلاء!) فقال: (كربٌ وبلاء)، فكانت كذلك. الخميس: من أمثال العرب في هذا: «لا تسخر من شيء فيحور بك»! يقول الزمخشري: «يضْرب فِي كلمة، يتَكَلَّم بهَا الرجل، فَتكون باعثة للبلاء». وقولُهم: «لا تُظهر الشماتةَ بأخيك فيعافيه الله ويبتليك». وفي المثل المغربي: «الذي يعيب في الصباح يلحقه في العشية». الجمعة: ورد أن أمين الرياض آنذاك الأمير فهد الفيصل، عندما جاء بالماء من الحاير إلى شارع الخزان تحداه الملك فيصل -رحمه الله- وقال: إذا أتيت بالماء كلمني في أي وقت حتى لو كنت نائماً! وكلّمه، وقال لماذا كلمتني في هذا الوقت؟! قال: أنت قلت لي كلمني حتى لو منتصف الليل.! السبت: يقول الأمير سعود بن بندر في والدته حين اشتد بها المرض: (يا ليتني بينك وبين المضرة من غزة الشوكة إلى سكرة الموت)، وشاء الله أن يتوفى هو قبلها. الأحد: قام الفنان طلال مداح -رحمه الله- بتمثيل فيلم وكان في أحد المشاهد يموت على المسرح، وبعد 42 سنة مات على خشبة المسرح.! الاثنين: يروي الكاتب (مصطفى أمين) أن الممثل المصري (أنور وجدي) قال يومًا للممثلة (زينب صدقي) وكان ممثلًا صغيرًا لم يشتهر بعد: «كم أتمنى أن يكونَ معي مليون جنيه! وإن أُصبت بأي مرض»، فقالت له زينب: «وماذا يفيدك المال وأنت حينها تكون مريضًا؟» فأجابها: «سأنفق بعضَ هذا المال على المرض، ثم أتمتع بباقي المال».. تقول زوجته في مذكراتها: (فكان معه المليون جنيه وأكثر؛ ولكن الله ابتلاه بمرض السرطان في الكبد، فأنفق كل ماله، ولم يذهب المرض). الثلاثاء: من تجاربي.. أغلب الأصحاب الذين يذهبون لمصر يتوقعون أنه إذا أكل هناك سيصاب بالتسمم، وبالفعل يتسمم. أما أنا فأتردد على مصر منذ ثلاثين عاماً، وأُحسن الظن بالله ثم بمعدتي وبالطهاة، لذلك لم يحدث لي أي حالة تسمم طوال تلك المدة ولم يأتني من الطعام المصري إلا الصحة والعافية. الأربعاء: الفنان جورج وسوف غنى عبارة (أطباء الكون ما تشفيني)، والآن شاعر النص والملحن توفيا، والمغني أُصيب بمرض نادر. الخميس: قرأت في سيرة إحدى الفنانات العالميات في أمريكا، أنها كانت تردد على المسرح أغنية يقول مطلعها: «أريد أن أعيش في الظلام»، ولم تمر أيام إلا وقد أصيبت بالعمى لتعيش في الظلام الذي كانت تتمناه. الجمعة: الأخت «نظمية دوس» التي تعمل معي منذ فترة، روت لي رغبتهم في السفر إلى اليمن قبل شهر رمضان المبارك، ولكن والدتهم رفضت، وقالت: «نسافر بعد شهر رمضان، علني أموت قبلها، فأنا ولدت هنا، وأريد أن أموت هنا، وأدفن مع أمي وأبي»، وقد تحقق لها ما تمنت وتوفيت -رحمها الله- يوم عرفة في جُدة، ودفنت في نفس المقبرة التي دفن فيها والداها. السبت: في يوم من الأيام قال شيخنا أبو سفيان العاصي: «اعتنِ بكلماتك لأنها ترسم خطة حياتك». حسناً ماذا بقي: بقي القول: إن البلاء محاط باللفظ والقدر موكل بالمنطق، وقد تتكلم بكلمة فيكتبها قلم القضاء في صحيفة قدرك، فلنمسك ألسنتنا عن قول السوء حتى نسلم، ولا نتكلمْ إلا بخير حتى نغنم.! وأخيراً يا قوم: سأختصر لكم الموضوع بهذه الناصية فأقول: إذا توجستَ من الشر ستتخيله في كل مكان وإذا توقعتَ الخير ستجده في كل إنسان

مقالات ذات صلة

0 0

قانون المزرعة وقانون الكروتة..!

2024-08-18

البشرُ -كلُّ البشرِ- يؤدُّونَ أعمالهم على طريقتَين لا ثالثَ لهما، وهاتان الطريقتان تُسمَّى إحداهما #قانون_المزرعة، والأُخْرَى تُسمَّى #قانون_الكروتة، وحتَّى تتضحَ الأمورُ، دعونا نتحدَّث عن كلِّ قانونٍ ومواصفاتِهِ وتطبيقِهِ على أرضِ الواقعِ. أولًا- قانونُ المزرعة: يقولُ هذا القانون: إنَّ الإنسانَ إذَا أرادَ أنْ يقومَ بعملٍ، فعليه أولًا الإخلاصُ، وعليه ثانيًا الإعدادُ الجيِّدُ، وعليه ثالثًا تجهيزُ وتحضيرُ المواد اللازمةِ لأداءِ المهمَّة، وعليه رابعًا الدقَّةُ والمهارةُ في التنفيذِ، وعليه أخيرًا أنْ يُعطي كلَّ مرحلةٍ من هذه المراحل حقَّها ومستحقَّها من التَّركيزِ والإتقانِ والصَّبرِ. وإذا أردنا أنْ نطبِّقَ هذا القانونَ على أرضِ الواقعِ فإليكم قانون الأستاذة نظميَّة في الطبخِ، فهي تقرِّرُ في الصباحِ ماذا سوف تطبخ، وهنا تأتي الإرادةُ، ثُمَّ تقومُ بتحضيرِ المواد وترتيبها وتقطيعها بكلِّ إخلاصٍ، ثُمَّ تضعها على نارٍ هادئةٍ حتَّى تستوي وفقَ قوانين الطبيعة، إنَّها بذلك تشبهُ قانونَ المزرعةِ، الذي يقوم به المزارعُ من حيث حرث الأرضِ، ورمي البذورِ، وسقي الأرضِ والصَّبر عليه حتَّى يثمرَ ويُخرِجَ الخيراتِ من غرس النباتِ. ثانيًا- قانونُ الكروتة: وهذا القانونُ يقولُ إنَّ الإنسانَ يقومُ بعمله على نظامِ السرعةِ والاستعجالِ، ورمي الأشياء فوقَ بعضها من دونِ إخلاصٍ، أو تحضيرٍ، أو صبرٍ، أو دقَّةٍ في التَّنفيذ، وإذا أردنا مثالًا على هذا، فهي تشبهُ حالتي في المرحلة الابتدائيَّة، فقدْ كنتُ أنسى الموادَّ، وأهملُ المذاكرةَ، وإذا جاءت ليلةُ الامتحان أعلنُ حالةَ الاستنفارِ والطوارئِ، وأسهرُ طوالَ الليلِ، من أجل المذاكرةِ التي لا تثمرُ في هذا الوقتِ الضائعِ، والنتيجةُ النهائيَّةُ هي أنَّني مكثتُ في الابتدائيَّة أكثرَ من عشرِ سنواتٍ، في حين أنَّ أقراني قد أنجزُوها في ستِ سنواتٍ، وبعضهم في خمسٍ. ولو أردنا تطبيقَ الكروتةِ على الطبخِ، سأذكرُ لكم طريقةَ طبخِ صديقي «أبي نوح»، فهو يستيقظُ في الظهيرةِ، ويذهب إلى الثلاجةِ، ويلمُّ ما بها من أغراضٍ، ويرمي بها في قدرِ الضغطِ، وبعد نصفِ ساعةٍ يفتحُ ويأكلُ الطَّعامَ الذي كَرْوَتَهُ، ليكونَ عالي الوجبةِ سافلهَا، وسافلهَا عاليهَا. حسنًا ماذا بقي: بقيَ القولُ: يا قومُ أخبرُوني هل أنتمْ على وفاقٍ مع قانونِ المزرعةِ أم قانونِ الكروتةِ؟!

0 1

حين ضاع تاريخ ميلادي..!

2024-08-18

كالعادةِ، يتفاعلُ المحبُّونَ والأصدقاءُ والمتابعُونَ والمتابعاتُ، مع ما يُطرحُ في برنامج #ياهلا_بالعرفج، الذي يأتي على قناةِ روتانا خليجيَّة. وفي هذا الأسبوعِ رويتُ في فقرة الحِكاية قصَّتي مع تحديدِ تاريخ ميلادي، وهي قصَّةٌ طويلةٌ ألخصُها بأنَّني سألتُ أمِّي -رحمها الله- متى وُلدتُ؟ فقالت: اسأل خالتكَ فلانة، فهي التي ولَّدتك، فسألتُ خالتي -رحمها الله- فقالت: أنتَ أكبرُ من ابنتِي فلانة بأربعةِ أشهر، حينها تركتُ تاريخ ميلادي، وانطلقتُ أبحثُ عن تاريخ ميلاد فلانة، فدخلتُ في سنواتٍ كثيرةٍ، من ضمنِها سنة الغُرفة، وسنة الجدري، حتَّى وصلتُ إلى سنة تُسمَّى سنة نِهاق الحمير..! عندها أقفلتُ الملفَّ، وبدأتُ أبحثُ عن وسيلة أخرى أكثر دقَّة، وهذا الأمر جعل مكتب الأحوال في بريدة يحوِّلني إلى المستشفى، وفي المستشفى تمَّ تسنيني وجعلي من مواليد ٧/١. حين رويتُ هذه القصَّة تفاعلَ معها البعضُ، ومن ضمنهم الأستاذ الأديب القدير «صلاح بن هندي»، حيث أرسل لي رسالةً يقول فيها: في برنامج (ياهلا بالعرفج) الذي يقدِّمه الأستاذ الجميل مفرح الشقيقي في قناة روتانا، تحدَّث #عامل_المعرفة: أحمد العرفج عن يوم ميلاده، الذي لا يعرف تاريخه بالتَّحديد، سوى أنَّه من مواليد ٧/١، وقد يكون في تلك السنة (6) نوفمبر، وكان حديثه مشوِّقًا كعادته، فذكَّرني ببعض النُّصوص الدِّينيَّة والأدبيَّة التي تطرَّقت ليوم الميلاد، من ذلك ما قاله الحسنُ البصري (١١٠): يا ابن آدم، طء الأرضَ بقدمِكَ فإنَّها عن قريبٍ قبركَ، مازلتُ في هدم عمرِكَ منذُ أنْ سقطتَ من بطنِ أمِّكَ!، وهي نظرةٌ وعظيَّةٌ صِرفةٌ، لكنَّها جاءت بقالبٍ أدبيٍّ أنيقٍ رغم قسوتها على النَّفس!. أيضًا يقولُ الشَّاعرُ كامل الشناوي عن يوم ميلاده: عدتَ يا يومَ مولدِي.. عدتَ يا أيُّها الشَّقي! الصِّبَا ضاعَ مِن يَدِي.. وَغَزَا الشَّيبُ مِفْرَقِي! ليتَ يا يومَ مولِدِي.. كنتَ يومًا بِلَا غَدِ!. وقد غنَّاها فريدُ الأطرش بصوتِهِ الشجيِّ وروحِهِ المعذَّبةِ! أمَّا ابن لعبون فيقول عن طفولته: ضحكتِي بينهمْ وأنَا رضيع مَا سوت بكيتِي يومَ الوداع!. وكانَ جدِّي علي بن هندي -رحمه الله تعالى- يقول لي: قالُوا للمُوصِف «الحكيمِ»: متى علمك بالسَّعادة؟، قال: يومَ كانَ طولُ ثوبِي شبرًا!. وهي نظرةٌ تشاؤميَّةٌ للحياة، ولِمَا بعد الميلاد، وهذه النظرةُ كانتْ عند الإغريقِ أيضًا، فقد قِيلَ لميداس: ما خير للإنسان؟ قال: أنْ لا يُولد!!، قِيل وإنْ وُلد؟ قال: أن يموتَ صغيرًا!. ومعلومٌ أنَّ الفيلسوفَ البلغاريَّ (ايميل سيوران) يرى أنَّ مصيبةَ الإنسان ليست في الموتِ، بل في أنْ يُولد من الأصلِ!. أمَّا أنَا فأقولُ في يومِ ميلادِي وقد نظرتُ إليه نظرةَ تفاؤلٍ: عيدُ ميلادِي غدًا.. آهٍ ما أحَلَى لقَاهُ! فغدًا أوَّلُ يومٍ.. لي في هذِي الحِياة! كانَ يومًا عبقريًّا.. ليسَ يعنينِي سواهُ!. وفي النِّهاية أقولُ: شكرًا لعامل المعرفة العرفج على هذه الدُّرر الأدبيَّة التي ينثرُها تارةً، وينظمُها أُخْرَى في سمط هذا البرنامج الأثيرِ لديَّ. حسنًا ماذا بقِيَ: بقِي القولُ: ما أجمل المُتابع المُنتج، والقارئ المُثمر الذي يتفاعل مع ما يقرأ بشكلٍ حيويٍّ، سواء كانَ في جانبِ المدحِ، أو في جانبِ القَدْحِ.

التعليقات (0)

اضف تعليق