image
د. أحمد عبدالرحمن العرفج
دكتوراه فى الإعلام د. أحمد عبدالرحمن العرفج كاتب
د. أحمد عبدالرحمن العرفج

المدونة

فصاحة اللسان.. في قصة النمل مع سليمان

علمنا من قصة جيش النمل مع سيدنا سليمان فصاحة اللسان، والتماس الأعذار والأخذ بالأسباب، ذلك الجيش الذي يسير بانتظام، فلا يتقدم أحد عن موضعه ولا يتأخر أحد، جيش مدبر، كل قد عَلِمَ دورَه ومهمته، وكان المسير يتجه جهة وادٍ من النمل صغير، لكنه بسكانه كثير، قد ملِئ حيويةً ونشاطًا وانشغالًا وأعمالًا، بيد أن نملة هناك كانت ترقُب المشهد، وتتابع الموقف وتشاهد الحدث، فأيقنت أنه ليس بينهم وبين الهلاك إلا بضع لحظات، فبادرت وأنذرت، وصاحت وحذَّرت، وكأننا بها تنادي بصوت مرتجف خائف وجِل من مستقبل مظلم ومصيبة متحينة، فقالت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. ما أروعه من بيان وجيز بليغ، وما أروعها من كلمات منسقة مرتبة منظمة، ما أجملها من عبارات ملؤها الفصاحة والبلاغة. ولنتأمَّل سوياً هذه الفصاحة في التعبير وهذا البيان في الخطاب، وهذا التحذير المختصر من سوء العاقبة والمصير، لقد استخدمت هذه النملة أغلب أساليب الإبداع اللغوي فنادت ونبهت فقالت: (يا أيها)، ثم سمت وأمرت، فقالت: (النمل ادخلوا)، ثم نصت فقالت: (مساكنكم)، ثم نهت فقالت: (لا يَحطمنكم)، ثم خصت وعمَّت فقالت: (سليمان وجنوده)، ثم اعتذرت فقالت: (وهم لا يشعرون)، لقد شعرت النملة أن هناك خطرًا داهمًا وهلاكًا حتميًّا محققًا، وكارثة كبيرة قادمة.! فهل يشعُر مَن يسكن القصور الفارهة والعمائر العالية بما يُعانيه ساكنو العشش والخيام ومن يفترشون الأرض ويلتحفون السماء؟! هل يشعر من ينامون على الأرائك والأسِرَّة بمن ينامون على الأرصفة والطرقات؟! هل يشعر من ينامون ملء بطونهم بمن ينامون على الجوع ويستيقظون على الجوع؟ إنها حكمة بالغة ودرس عظيم تُلقيه نملة ضئيلة من مخلوقات الله على الإنسانية كلها؛ لتتيقظ ولا تطغى، ولتعلم أن الكون كله لله، والعزة كلها له، ولا ملك إلا ملك الله. نعم.. إنه موقف صغير عابر، لكنه مليء بالدلالات والإشارات والعبر والإلماحات، فلقد كان خطاب النملة عامًّا لجميع مملكة النمل، ولَم تجعل خطابها خاصًّا لفئة دون أخرى، سواء أكانت هذه الفئة من كبار مملكة النمل أم من المقربين، وهذا فيه ما فيه من وجود العدل في مجتمع النمل عند حصول الضرر، هذه النملة الصغيرة كان لديها رصيد عالٍ من الولاء لقومها ومحبتها لهم، وهذا الولاء وتلك المحبة لم تكن مجرد شعور ذاتي قابع في الضمير، بل ترجمته هذه النملة إلى واقع وعمل كان من نتائجه إنقاذ شعبها من الدمار، وهذا درس آخر تعلمنا إياه هذه النملة بعد درس الشعور بالآخرين، وهو درس الانتماء الحقيقي للوطن وللمجتمع، فقدمت هذه النملة أعلى درجات التضحية لحماية وطنها وقومها، وكان بوسعها أن تنتحي جانبًا، ولا تفكر إلا في إنقاذ نفسها مبررة ذلك بـ(ماذا أفعل منفردةً أمام هذا الجيش العظيم؟)، لكنها اعتبرت نفسها حارسةً أمام قومها، وما رضيتْ أن يمسَّهم أيُّ سوء، فاختارت المخاطرة بالسير في نفس خط سير الجيش لإنقاذ قومها؛ مما يدل على التضحية العالية، والمبادرة والإيجابية النادرة التي كانت سببًا في إحياء أمة من النمل. حسناً ماذا بقي؟!! بقي القول: إنَّ النملة لم تكتفِ بنداء ( يا أيها النمل)، بل قدمت الحلول العملية، والمخارج التطبيقية، وكم نحن بحاجة إلى هذه التصور العميق في حل المشكلات، يجب أن نقدم الحلول بعد تشخيص المشكلات، فالتلاوم والتشكي لا يزيل المشكلة، ولا يرفع البلاء، ولهذا قالت: (يا أيها النمل ادخلوا)، إنه نداء تحذير، وصرخة نذير، ونفس من أنفاس النصيحة، صدعت به هذه النملة الصغيرة الناصحة، فكيف حملت هم هذا الوادي الكبير بما فيه من النمل، وهي صغيرة في حجمها، ضئيلة في جسمها، ضعيفة في قوتها، وقفت وقد رأت الجموع الهائلة، فتحركت للنصيحة، ونادت بنداء عذب مؤدب مهذب تحذِّر من الخطر، وتبين الحل. ولم تكتف بالصراخ والعويل، بل قدمت خطةً عاجلة للحل السريع الناجع، فقالت: (ادخلوا)، وإلى أين؟ (ادخلوا مساكنكم)، وهذه رسالة أخرى ودرس جديد: على أن المسكن هو الملجأ، والمسكن هو الأمان، والمسكن هو الملاذ حال الخوف والرعب والهلع.!!

مقالات ذات صلة

0 0

قانون المزرعة وقانون الكروتة..!

2024-08-18

البشرُ -كلُّ البشرِ- يؤدُّونَ أعمالهم على طريقتَين لا ثالثَ لهما، وهاتان الطريقتان تُسمَّى إحداهما #قانون_المزرعة، والأُخْرَى تُسمَّى #قانون_الكروتة، وحتَّى تتضحَ الأمورُ، دعونا نتحدَّث عن كلِّ قانونٍ ومواصفاتِهِ وتطبيقِهِ على أرضِ الواقعِ. أولًا- قانونُ المزرعة: يقولُ هذا القانون: إنَّ الإنسانَ إذَا أرادَ أنْ يقومَ بعملٍ، فعليه أولًا الإخلاصُ، وعليه ثانيًا الإعدادُ الجيِّدُ، وعليه ثالثًا تجهيزُ وتحضيرُ المواد اللازمةِ لأداءِ المهمَّة، وعليه رابعًا الدقَّةُ والمهارةُ في التنفيذِ، وعليه أخيرًا أنْ يُعطي كلَّ مرحلةٍ من هذه المراحل حقَّها ومستحقَّها من التَّركيزِ والإتقانِ والصَّبرِ. وإذا أردنا أنْ نطبِّقَ هذا القانونَ على أرضِ الواقعِ فإليكم قانون الأستاذة نظميَّة في الطبخِ، فهي تقرِّرُ في الصباحِ ماذا سوف تطبخ، وهنا تأتي الإرادةُ، ثُمَّ تقومُ بتحضيرِ المواد وترتيبها وتقطيعها بكلِّ إخلاصٍ، ثُمَّ تضعها على نارٍ هادئةٍ حتَّى تستوي وفقَ قوانين الطبيعة، إنَّها بذلك تشبهُ قانونَ المزرعةِ، الذي يقوم به المزارعُ من حيث حرث الأرضِ، ورمي البذورِ، وسقي الأرضِ والصَّبر عليه حتَّى يثمرَ ويُخرِجَ الخيراتِ من غرس النباتِ. ثانيًا- قانونُ الكروتة: وهذا القانونُ يقولُ إنَّ الإنسانَ يقومُ بعمله على نظامِ السرعةِ والاستعجالِ، ورمي الأشياء فوقَ بعضها من دونِ إخلاصٍ، أو تحضيرٍ، أو صبرٍ، أو دقَّةٍ في التَّنفيذ، وإذا أردنا مثالًا على هذا، فهي تشبهُ حالتي في المرحلة الابتدائيَّة، فقدْ كنتُ أنسى الموادَّ، وأهملُ المذاكرةَ، وإذا جاءت ليلةُ الامتحان أعلنُ حالةَ الاستنفارِ والطوارئِ، وأسهرُ طوالَ الليلِ، من أجل المذاكرةِ التي لا تثمرُ في هذا الوقتِ الضائعِ، والنتيجةُ النهائيَّةُ هي أنَّني مكثتُ في الابتدائيَّة أكثرَ من عشرِ سنواتٍ، في حين أنَّ أقراني قد أنجزُوها في ستِ سنواتٍ، وبعضهم في خمسٍ. ولو أردنا تطبيقَ الكروتةِ على الطبخِ، سأذكرُ لكم طريقةَ طبخِ صديقي «أبي نوح»، فهو يستيقظُ في الظهيرةِ، ويذهب إلى الثلاجةِ، ويلمُّ ما بها من أغراضٍ، ويرمي بها في قدرِ الضغطِ، وبعد نصفِ ساعةٍ يفتحُ ويأكلُ الطَّعامَ الذي كَرْوَتَهُ، ليكونَ عالي الوجبةِ سافلهَا، وسافلهَا عاليهَا. حسنًا ماذا بقي: بقيَ القولُ: يا قومُ أخبرُوني هل أنتمْ على وفاقٍ مع قانونِ المزرعةِ أم قانونِ الكروتةِ؟!

0 1

حين ضاع تاريخ ميلادي..!

2024-08-18

كالعادةِ، يتفاعلُ المحبُّونَ والأصدقاءُ والمتابعُونَ والمتابعاتُ، مع ما يُطرحُ في برنامج #ياهلا_بالعرفج، الذي يأتي على قناةِ روتانا خليجيَّة. وفي هذا الأسبوعِ رويتُ في فقرة الحِكاية قصَّتي مع تحديدِ تاريخ ميلادي، وهي قصَّةٌ طويلةٌ ألخصُها بأنَّني سألتُ أمِّي -رحمها الله- متى وُلدتُ؟ فقالت: اسأل خالتكَ فلانة، فهي التي ولَّدتك، فسألتُ خالتي -رحمها الله- فقالت: أنتَ أكبرُ من ابنتِي فلانة بأربعةِ أشهر، حينها تركتُ تاريخ ميلادي، وانطلقتُ أبحثُ عن تاريخ ميلاد فلانة، فدخلتُ في سنواتٍ كثيرةٍ، من ضمنِها سنة الغُرفة، وسنة الجدري، حتَّى وصلتُ إلى سنة تُسمَّى سنة نِهاق الحمير..! عندها أقفلتُ الملفَّ، وبدأتُ أبحثُ عن وسيلة أخرى أكثر دقَّة، وهذا الأمر جعل مكتب الأحوال في بريدة يحوِّلني إلى المستشفى، وفي المستشفى تمَّ تسنيني وجعلي من مواليد ٧/١. حين رويتُ هذه القصَّة تفاعلَ معها البعضُ، ومن ضمنهم الأستاذ الأديب القدير «صلاح بن هندي»، حيث أرسل لي رسالةً يقول فيها: في برنامج (ياهلا بالعرفج) الذي يقدِّمه الأستاذ الجميل مفرح الشقيقي في قناة روتانا، تحدَّث #عامل_المعرفة: أحمد العرفج عن يوم ميلاده، الذي لا يعرف تاريخه بالتَّحديد، سوى أنَّه من مواليد ٧/١، وقد يكون في تلك السنة (6) نوفمبر، وكان حديثه مشوِّقًا كعادته، فذكَّرني ببعض النُّصوص الدِّينيَّة والأدبيَّة التي تطرَّقت ليوم الميلاد، من ذلك ما قاله الحسنُ البصري (١١٠): يا ابن آدم، طء الأرضَ بقدمِكَ فإنَّها عن قريبٍ قبركَ، مازلتُ في هدم عمرِكَ منذُ أنْ سقطتَ من بطنِ أمِّكَ!، وهي نظرةٌ وعظيَّةٌ صِرفةٌ، لكنَّها جاءت بقالبٍ أدبيٍّ أنيقٍ رغم قسوتها على النَّفس!. أيضًا يقولُ الشَّاعرُ كامل الشناوي عن يوم ميلاده: عدتَ يا يومَ مولدِي.. عدتَ يا أيُّها الشَّقي! الصِّبَا ضاعَ مِن يَدِي.. وَغَزَا الشَّيبُ مِفْرَقِي! ليتَ يا يومَ مولِدِي.. كنتَ يومًا بِلَا غَدِ!. وقد غنَّاها فريدُ الأطرش بصوتِهِ الشجيِّ وروحِهِ المعذَّبةِ! أمَّا ابن لعبون فيقول عن طفولته: ضحكتِي بينهمْ وأنَا رضيع مَا سوت بكيتِي يومَ الوداع!. وكانَ جدِّي علي بن هندي -رحمه الله تعالى- يقول لي: قالُوا للمُوصِف «الحكيمِ»: متى علمك بالسَّعادة؟، قال: يومَ كانَ طولُ ثوبِي شبرًا!. وهي نظرةٌ تشاؤميَّةٌ للحياة، ولِمَا بعد الميلاد، وهذه النظرةُ كانتْ عند الإغريقِ أيضًا، فقد قِيلَ لميداس: ما خير للإنسان؟ قال: أنْ لا يُولد!!، قِيل وإنْ وُلد؟ قال: أن يموتَ صغيرًا!. ومعلومٌ أنَّ الفيلسوفَ البلغاريَّ (ايميل سيوران) يرى أنَّ مصيبةَ الإنسان ليست في الموتِ، بل في أنْ يُولد من الأصلِ!. أمَّا أنَا فأقولُ في يومِ ميلادِي وقد نظرتُ إليه نظرةَ تفاؤلٍ: عيدُ ميلادِي غدًا.. آهٍ ما أحَلَى لقَاهُ! فغدًا أوَّلُ يومٍ.. لي في هذِي الحِياة! كانَ يومًا عبقريًّا.. ليسَ يعنينِي سواهُ!. وفي النِّهاية أقولُ: شكرًا لعامل المعرفة العرفج على هذه الدُّرر الأدبيَّة التي ينثرُها تارةً، وينظمُها أُخْرَى في سمط هذا البرنامج الأثيرِ لديَّ. حسنًا ماذا بقِيَ: بقِي القولُ: ما أجمل المُتابع المُنتج، والقارئ المُثمر الذي يتفاعل مع ما يقرأ بشكلٍ حيويٍّ، سواء كانَ في جانبِ المدحِ، أو في جانبِ القَدْحِ.

التعليقات (0)

اضف تعليق